زياد سلامة: مسؤولية شمس بدران في هزيمة 1967

رحل شمس الدين علي بدران مدير السجن الحربي ووزير الحربية المصري إبان حرب 1967 عن واحد وتسعين عاماً.

131

 أبين اليوم – متابعات

 

زياد سلامة

  رحل شمس الدين علي بدران مدير السجن الحربي ووزير الحربية المصري إبان حرب 1967 عن واحد وتسعين عاماً.قضى نحو خمسة عشر عاماً منها في المواقع المتقدمة من السلطة حتى إنه أوشك أن يكون رئيساً للجمهورية العربية المتحدة، وقضى سبعة أعوام في السجن، ثم اتم بقية عمره في المنفى الاختياري في بريطانيا، فمن هو شمس بدران هذا وما مسؤوليته عن هزيمة العرب الكبرى عام 1967.

من المهد إلى الجيش

وُلد شمس بدران في مدينة الجيزة عام 1929 التحق بالأكاديمية العسكرية وتخرج منها عام 1948 وهي الدفعة التي قضت في الدراسة 6 شهور فقط وألحق معظم أفرادها بالقوات المشاركة في حرب فلسطين.  أنعم الملك فاروق على شمس بدران بنوط الجدارة الذهبي، تقديراً لبطولته كأحد أفراد الكتيبة التي حوصرت في الفالوجة في فلسطين. وقبيل ثورة 23 يوليو 1952، سافر بدران في بعثة عسكرية قصيرة لفرنسا، للتدريب على بعض الأعمال العسكرية وهو برتبة يوزباشي (نقيب). مما أثار غيرة زملائه من أفراد دفعته. فلم يكن متفوقا في دراسته لنيل هذا لتقدير! وظلت هذه البعثة تبعث الريبة حوله وقربه من قصر فاروق.

مذكراته

صدر كتاب بعنوان “مذكرات شمس بدران” عن دار النخبة للكاتب الصحافي حمدي الحسيني، وفيه تم التركيز على علاقة عبد الناصر بالفنانة سعاد حسني، وأنور السادات بالمذيعة همت مصطفى وعبد الحكيم عامر بالفنانة برلنتي عبد الحميد. إلا أن بدران ظهر في برنامج على أحد القنوات المصرية كذب فيها أن له علاقة بهذه المذكرات ويؤكد أنها مكذوبة وليست على لسانه وقال بأنه لم ينشر مذكراته بعد. وأنه سينشرها عن طريق الأهرام. ونشرت جريدة السياسة الكويتية شيئاً من مذكراته على حلقات بدءاً من شباط 2014 ويُعتقد أنها جزء من مذكراته التي كان ينوي نشرها في جريدة الأهرام.

انضمامه للضباط الأحرار

 كان ضمن القوات التي حوصرت في الفالوجة، وهناك التقي جمال عبد الناصر وزكريا محيي الدين وحسن التهامي وإبراهيم بغدادي وجلال ندا ومحيي الدين أبو العز ومحمد أحمد البلتاجي وكلهم من الضباط الأحرار، وضمه عبد الناصر إلى تنظيم الضباط الأحرار ليعمل على تجنيد أفراد اللواء السادس الذي كان ضابطاً فيه إلا انه لم يفلح في تجنيد ضابط واحد حتى ليلة الثورة بعد أن كرهه زملاؤه لغطرسته وتعاليه عليهم.

مسؤول السجون

  عام 1956م ترأّس بدران جهاز البحث الجنائي العسكري الذي أنشأه عبد الناصر خصيصًا للتحقيق في محاولة اغتياله التي أُلقيت مسؤوليتها على جماعة الإخوان المسلمين، وتم القبض على الداعية الشهير “سيد قطب” وعددٍ كبير من الإخوان أُودعوا بالسجن الحربي والذي تروى الحكايات المؤلمة عن انتزاع اعترافات المعتقلين فيه من سجناء الرأي من شتى الاتجاهات بأبشع طرق التعذيب، وأساليب امتهان الكرامة البشرية.

   تولى بدران الإشراف على تفكيك تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، عقب قضية العام 1965، وزج بالآلاف من عناصرهم وقادتهم في السجون، حيث تمكن هو ورجاله من انتزاع اعترافات من الإخوان حول خلاياهم وعناصرهم في الداخل والخارج وشبكات تمويلاتهم، حتى لُقب بـ “قاهر الإخوان”. لم ينكر بدران استخدام «أساليب متعددة للحصول على الاعترافات من المتهمين» كاعتراف منه على تعرضهم للتعذيب، ولكنه ينفي تماماً أن يكون هناك أكثر من عشرة معتقلين فقط من ماتوا في السجون. وحتى هؤلاء لم يموتوا من التعذيب إنما ماتوا من الصدمة! صدمة اعتقالهم ومواجهتهم بالأدلة الدامغة التي تدينهم؛ ما يدلُّ على أن عمليات التعذيب لم تكن بالقسوة التي أشيع عنها! حسب أقواله. وقد دافع بدران عن نفسه بعد الإفراج عنه في حديث للكاتب السياسي جلال كشك نشرته مجلة الحوادث اللبنانية. وقال في مذكراته التي نشرتها صحيفة “السياسة” الكويتية “لست نادما على ما فعلته بالإخوان عام 1965، ولو عاد الزمن لكررت الأمر نفسه معهم”، معتبرا أنهم نسجوا من خيالهم آلاف القصص حول عمليات تعذيب وهمية تعرضوا لها داخل السجون.  لكنه ينكر تماماً أنه قد تعرض إلى سيد قطب بالذات بأي شكل من أشكال التعذيب. وأكد أن بعض أوامر التعذيب كانت تأتي مباشرة من عبد الناصر إلى آمر السجن الحربي حمزة البسيوني وأحياناً أخرى منه شخصياً أي بدران.

وأثبتت محاضر التحقيق في قضايا التعذيب أمام محكمة الجنايات عام 1975 أنه أصدر تعليماته لصفوت الروبي (أحد المسؤولين عن التعذيب) بتحطيم رأس المعتقل الإخواني محمد عواد وهو مشرف على الموت. فضربه الروبي بعصا حديدية على رأسه مما أدى لتفتت عظم الجمجمة بأمر من شمس. وبلغ عدد ضحاياه بلغ حوالي 18 ألف معتقل منهم 20 امرأة و30 حدثا في حين لا تتسع زنازين السجن إلا إلى 4000 مسجون.

ثلاثون سنة سجن:

 في عصر السادات تم الإيعاز لمن تعرض للتعذيب في العهد الناصري بتقديم شكوى ضد معذبيه، وكان بدران ممن تقدمت عدة شكاوى ضده، ونظرت محكمة الجنايات في هذه الشكاوى، وطالبت النيابة بإعدام شمس بدران وأصدرت الحكم في 19 يوليو 1977 بمعاقبته غيابيا (حيث كان مقيماً في بريطانيا) بالسجن 30 سنة أشغال شاقة. وطعنت النيابة في الحكم مصرة على عقوبة الإعدام. وقد حال عدم وجود اتفاق تسليم المجرمين بين بريطانيا ومصر دون تسليمه.

مدير مكتب المشير

 ارتبط شمس بدران بالمشير عبد الحكيم عامر (النائب الأول لرئيس الجمهورية، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة)، منذ بداية الثورة بعد أن اكتشف أنه الورقة الرابحة دائما في لعبة الحكم وبعد أن اقترب من صفاته الصعيدية. ونفسيته وحياته الشخصية. فلم يكن يتركه أبدا. التصق به التصاقا تاما منذ لقائهما في حرب فلسطين !!

عين عبد الناصر على المشير

   انفرد العقيد شمس بدران من بين رجال المشير بقربه من الرئيس عبد الناصر حتى إن البعض اعتبر شمس بدران عيناً لعبد الناصر علي عامر، وكان المسئول الأول عن تأمين القوات المسلحة وأجهزة اتصالات عبد الناصر بضباط الجيش دون علم القائد العام عبد الحكيم عامر !! في حين كان يعتبره آخرون مجرد أحد رجال المشير.

 مكن منصب بدران هذا وقربه من المشير عامر أن يكون ذا شخصية مهابة يتمتع بنفوذ واسع داخل القوات المسلحة والمكاتب الرئاسية في الدولة حتى بدأت تنسج حوله القصص ويتحدث العامة عن دوره باعتباره واحداً من أكبر مراكز القوي مع منتصف ستينيات القرن الماضي.

وزيراً للحربية وحرب 1967

اختير شمس بدران وزيراً للحربية عام 1966، وكان وقتها مديراً لمكتب عبد الحكيم عامر، بالرغم انه لم يكن يملك التأهيل العسكري اللازم لمثل هذا المنصب إلا أنه شغله بوصفه من رجال عامر، متجاوزاً مئات الأدميات باعتبار ذلك تعييناً سياسياً لا يخضع لقواعد روتينية.

في مذكرات عضو مجلس قيادة الثورة (عبد اللطيف بغدادي) يرد اسم بدران في سياق الحديث عن هزيمة حزيران مقرونا بالجهل وعدم الأهلية: “طوال أيام المعركة كان شمس بدران وزير الحربية موجوداً مع المشير عبد الحكيم عامر بالمكتب، وينام معه في الغرفة الملحقة بمكتبه، وكان واضحاً جهله بإدارة العمليات الحربية، ويظهر أنه يعلم هذا عن نفسه ولذا لم يكن يعمل شيئاً طوال هذه الأزمة إلا تقديم بعض الأوراق لعبد الحكيم الواردة إلى مكتبه، ويقول بغدادي:‏ وبالنسبة للثقافة العسكرية للمشير عامر‏ فقد توقف به العلم عند رتبة الصاغ‏ (‏الرائد‏)، أما وزير الحربية شمس بدران فقد توقفت به رحلة العلم وخبرة القتال عند رتبة الملازم أول”! بل قيل بأنه كان آخر دُفعته ترتيباً في الناجحين عندما كان طالباً في الكلية الحربية.

زيارة شمس بدران إلى موسكو

أثناء توليه وزارة الحربية، قام بزيارة إلى موسكو لاستطلاع رأي السوڤيت في دورهم المنتظر إذا نشبت الحرب في الشرق الأوسط، وعاد بانطباع تشكل لديه ولدي أعضاء الوفد بأن الاتحاد السوفيتي سوف يحارب جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة المصرية لو تعرضت لعدوان إسرائيلي، وأن الروس لن يبخلوا بأي دعم عسكري أو لوجيستي تحتاجه مصر في مواجهتها مع إسرائيل، وقد اتضح بعد ذلك أن الانطباع لم يكن صحيحاً وأن الموقف لم يكن واضحاً للطرفين بالشكل المطلوب. بل دل ذلك على جهل تام في الموقف السياسي الدولي وأن أدنى تفكير سيقول له بأن السوفييت لا يمكن ان يخوضوا حرباً مع أمريكا في ذلك الوقت مهما كانت علاقاتهم عميقة مع مصر.

  يروي السفير المصري في موسكو آنذاك مراد غالب الذي حضر لقاءات بردان مع القادة السوفييت ما يؤكد عدم أهلية الرجل لتولي أي منصب، ففي 28 مايو 1967، قبل الحرب بأسبوع جاء شمس بدران وزير الحربية والرجل الثاني بعد عبد الحكيم عامر إلى موسكو، كان الوضع متوترا تماما على الجبهة، وكانت مصر قد أغلقت مضائق تيران عند خليج العقبة وتم سحب قوات الأمم لمتحدة من المنطقة، وكانت نذر الحرب تدور في المنطقة.

 قابل بدران وزير الدفاع السوفيتي المارشال غريتشكو (أحد أبطال الحرب العالمية الثانية)، فقال مراد غالب في حديثه في برنامج “شاهد على العصر” الذي بثته قناة الجزيرة: “لكن الكارثة لما قابل (بدران) غريتشكو، فغريتشكو بيقول له أنت جايب رسالة علشان تقولها لكاسيغين؟ قال أيوه، قال له طيب إيه يعني فحوى هذه الرسالة؟ قال له: الله، لما أقول لك أنا على فحوى الرسالة ليه، أمال لما أقابل كاسيغين حأقول له إيه؟ الله، إيه دي؟!

غريتشكو:” طيب افرض أنتم دلوقت قفلتم خليج العقبة، قال له أيوه، وما كانش لسه اتقفل على فكرة..قال له طيب افرض سفينة إسرائيلية جاءت وفاتت؟

بدران: لا، نضربها.

غريتشكو: طيب افرض أميركا بعثت أسطول علشان يمر، تعمل إيه؟

قام أسقط في يده. وتململ هو في الكرسي بتاعه وقال: لا إحنا نمنعهم.

غريتشكو: تمنعهم إزاي يعني، حتبقى معركة مع أميركا!

بدارن: لا ما أنتم برضه حتكونوا موجودين.

غريتشكو: أنا باسألك أنتم حتعملوا إيه لما تيجي سفينة (أمريكية)؟

بدران: نلاقي العالم كله بقى بيشهد أن أميركا دخلت المعركة، مع إسرائيل وبتضربنا.

وقال مراد غالب: “كل الإيحاءات تقول للمصريين بأننا لن نحارب معكم” فلما عاد بدران قال لعبد الناصر: أن السوفيات حيحاربوا إلى جانبنا.

 بعد عودة بدران من الاتحاد السوفيتي التقى مع عبد الناصر في 29 يونيو وقال له إن السوفيات سيدخلون الحرب إلى جوار المصريين إذا قامت المعركة.

   يقول محمد عبد الغني الجمسي في مذكراته عن محاكمة شمس بدران بعد هزيمة حرب 1967: وجاء الدور على شمس بدران وزير الحربية بتقديمه للمحاكمة، وأثناء هذه المحاكمة في فبراير 1968 سأله رئيس المحكمة عن رأيه فيما حدث، وترتب عليه هزيمة يونيو، رد قائلا ” لما تطور الموقف، ورأينا أننا لازم نسحب البوليس الدولى ـ قوات الطوارئ الدولية ـ علشان نبين إن إحنا جاهزين للهجوم، لأن وجود البوليس الدولى يمنع أي عملية دخول لقواتنا، وانسحب البوليس الدولي، استتبع ذلك احتلال شرم الشيخ الذي استتبع قفل خليج العقبة. وكان الرأى أن جيشنا جاهز للقيام بعمليات ضد إسرائيل، وكنا متأكدين 100 % إن إسرائيل لا تجرؤ على الهجوم أو أخذ الخطوة الأولى أو المبادرة بالضربة الأولى، وأن دخول إسرائيل أي عملية معناها عملية انتحارية لأنها قطعا ستهزم في هذه العملية”.

ولما سألته المحكمة مستفسرة عن رأيه في أن الرئيس عبد الناصر قرر قفل خليج العقبة بعد أن أخذ تمام من القائد المسئول، رد شمس بدران قائلا” القائد العام ـ المشير عامر ـ أعطى تمام وقال أقدر أنفذ، وبعدين من جهة التنفيذ كان صعب عليه”

  علق رئيس المحكمة على كلام شمس بدران بقوله “والله إذا كانت الأمور تسير بهذا الشكل وتحسب على هذا الأساس، ولا تكون فيه مسئولية الكلمة ومسئولية التصرف، يبقى مش كثير اللي حصل لنا”

  تقارير في البيوت:

  لم يأمر عبد الناصر بالتحقيق في الأسباب الحقيقية للهزيمة إلا بعد وقوعها بشهور ولم ينفذ الأمر لإسناده إلى مجموعة من القادة المسئولين عن الهزيمة ولم تصلهم يد التحقيق. وكشف المشير محمد عبد الحليم أبو غزاله القائد العام للقوات المسلحة السابق سر عدم التوصل إلى الأسباب الحقيقية للهزيمة من واقع التقارير التي كتبها قادة الجيوش؛ حيث قال في رسالة وجهها للصحافة المصرية أنه اكتشف أن من عُهد إليهم كتابة أسباب هزيمة 1967 نقلوا تقارير الحرب إلى بيوتهم ليكتبوها على هواهم لذا استبعدت لجان التحقيق هذه التقارير لعدم أمانتها وخشية زيفها خاصة؛ وكل قائد سينفي عن نفسه تهمة التقصير.

ولم تسجل الوثائق العسكرية تقارير القادة وبالتالي دفنت وثائق الهزيمة إلى الأبد أسوأ توقيت، وارجع المحللون الهزيمة إلى الأسباب التالية:

  1. أن مصر لم تكن مستعدة للحرب ضد إسرائيل في ذلك الوقت.

  2. اختار القادة أسوأ توقيت لبداية الحرب والإعداد لها.

  3. وجود أفضل الفرق القتالية في اليمن وبلغت ثلث القوات البرية وذكر بعض المعلقين أن هذه الفرق لو اشتركت لتحقق النصر في سيناء.

  4. ترتب على وجود القوات في اليمن استنزاف ميزانية القوات المسلحة وانخفاض مستوي التدريب والانضباط العسكري خلال فترة الحرب.

  5. وذكروا أن أحد أسباب الهزيمة استبعاد أفضل الفرق المقاتلة من مسرح العمليات الرئيسي في سيناء وتخفيض حجمها قبل المعركة بثلاث شهور تحت دعوي تخفيض النفقات.

  6. اعترف بدران أمام المحكمة (التي شُكِّلت لمحاكمة الضباط المتسببين بالهزيمة) أنه أعطي عبد الناصر التمام باستعداد القوات المسلحة لدخول المعركة بقوله: احنا جاهزين.

وعن محاكمة شمس بدران يقول محمد عبد الغني الجمسي في مذكراته “جاء الدور على شمس بدران وزير الحربية بتقديمه للمحاكمة، وأثناء هذه المحاكمة في فبراير 1968 سأله رئيس المحكمة عن رأيه فيما حدث، وترتب عليه هزيمة يونيو، فرد بدران قائلا: “لما تطور الموقف ورأينا بضرورة انسحاب البوليس الدولي لنبين إننا جاهزين للهجوم، استتبع ذلك احتلال شرم الشيخ الذي استتبع قفل خليج العقبة”.

وأضاف بدران، وفقا لمذكرات الجمسي: “كان الرأي أن جيشنا جاهزٌ للقيام بعمليات ضد إسرائيل، وكنا متأكدين 100% إن إسرائيل لا تجرؤ على الهجوم أو المبادرة بالضربة الأولى، وأن دخول إسرائيل أي عملية معناها عملية انتحارية لأنها قطعاً ستهزم في هذه العملية”.

وفي مذكرات عبد اللطيف بغدادي عضو مجلس قيادة الثورة يقول: “طوال أيام المعركة كان شمس بدران وزير الحربية موجوداً مع المشير عبد الحكيم عامر بالمكتب، وينام معه في الغرفة الملحقة بمكتبه، وكان واضحاً جهله بإدارة العمليات الحربية ويظهر أنه يعلم هذا عن نفسه ولذا لم يكن يعمل شيئاً طوال هذه الأزمة إلا تقديم بعض الأوراق لعبد الحكيم الواردة إلى مكتبه”.

  تأكيدات عامر وبدران لعبد الناصر أعطته الضمانات العسكرية اللازمة مما جعل ناصر جريئاً بما فيه الكفاية للقيام بتلك المناورات السياسية المتهورة.

رئيس للجمهورية

على إثر الهزيمة المروعة التي لم تزل الأمة تذوق ويلاتها، ولامتصاص غضب الناس؛ اتفق عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ان يقدما استقالتيهما، كان ذلك يوم 8/6/1967 لكن المفاجأة أن عبد الناصر رشح شمس بدران ليتولى رئاسة الجمهورية، باعتباره ” الأقوى ” الذي يستطيع أن يفرض نفوذه على الجيش والمدنيين والسياسيين وينقذ البلد من حرب أهلية متوقعة!

   سوء تقدير آخر للموقف يرتكبه عبد الناصر الذي اعتقد أنه سيولي رجلاً يستطيع تحريكه كما يشاء ريثما يعود للحكم، ويقول محمد حسنين هيكل بأنه أقنع عبد الناصر أن بدران لا يُناسب هذا الدور فعدل عن رأيه هذا بعد 18 ساعة، ويبدو أن هذا التصرف من عبد الناصر دفع بدران لينحاز إلى عبد الحكيم عامر الطرف الاخر في معادلة الصراع؛ ثم استقر الرأي على زكريا محيي الدين باعتباره أقدم الباقين من أعضاء مجلس الثورة.

 أرسل شمس بدران استقالته من منصبه كوزير للحربية لعبد الناصر بتاريخ 10/6/2020 الذي قبلها فوراً ونشرت الأهرام خبر اعتزال شمس بعد استقالة المشير في خبر من سطرين.

محاكمته

بعد أن قدَّم المشير وبدران استقالتيهما وتراجع عبد الناصر عن استقالته، وبعد (انتحار) عبد الحكيم عامر، تقرر إحالة شمس بدران إلى المحاكمة باعتباره مع 54 ضابطا وسياسيا متهمين بالإهمال والتسبب بكارثة حزيران (ومحاولة الانقلاب على نظام الحكم)، ليكون بذلك أول وزير حربية يُقدم للمحاكمة؛ وكانت المؤامرة تهدف إلى” تغطية لمسئوليات المؤسسة العسكرية إزاء الحرب” كما اعترف شمس بدران أمام المحكمة بقوله: وكانت الخطة مؤسسة على اعتبار المشير عامر غير مسئول عن هزيمة 1967. وإعلان أن عبد الناصر المسئول الأول عنها … لأنه لم يكن يريد الحرب وصعَّد الموقف السياسي إلى درجة الحرب متصورا أنه سيكسب المعركة بمناورة سياسية دون قتال. كانت الخطة “نصر” التي وضعها عامر وبدران ومن يؤيدهم من كبار الضباط تقضى كما يذكر بدران فى مذكراته بنقل عامر من مروحية إلى وحدات الجيش لحشد الرأى العام فيها ضد عبد الناصر ثم نقله الى القيادة العامة فى حراسة قوات الصاعقة ليعلن فيها مطالبه فى مواجهة عبد الناصر التي تتضمن إعادة جميع الضباط المفصولين بعد النكسة الى الخدمة وعودة المحالين للتقاعد والمعزولين. ويذكر بدران صراحة أن هذه الخطة تم نقلها إلى الولايات المتحدة عبر أحد رجال العاملين المصريين الذين كانوا يعملون جواسيس لصالح السفارة الامريكية بالقاهرة. وكان “صلاح نصر” هو صاحب هذا الاقتراح لمعرفته بهذا الجاسوس من خلال رئاسته لجهاز المخابرات ولم يذكر بدران من هو هذا الشخص ولكنه يؤكد أنه يعمل فى مجال السياحة ومازال على قيد الحياة.

 فشلت الخطة تمامًا، وأُلقي القبض على شمس بدران ضمن باقي مجموعة المشير على يدي الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية، واقتيد بدران إلى السجن الحربي، وفي 26 أغسطس 1968م، أصدرت محكمة الثورة، التي ترأسها حسين الشافعي، حُكمها على بدران وعاقبته بالأشغال الشاقة المؤبدة، وغُيِّب خلف قضبان السجن بقية عهد عبد الناصر، وكان لافتًا للنظر أن شمس بدران اشتكى في مذكراته من تعرّض رفاقه للتعذيب داخل السجن الحربي من أجل إجبارهم على الاعتراف!

  أما مسؤولية هزيمة حزيران فلا يمكن أن يتولاها شخص واحد، فلا بد ان يتقاسمها الثلاثة معاً باعتبارهم الرؤوس المتسببة مباشرة بالنكسة، أما عبد الحكيم عامر فقد قضى (منتحراً) وألقي بشمس بدران في غيابة السجن، ليقضي ست سنوات عجاف، وأما عبد الناصر فقد قضى نحبه بعد ثلاث سنوات من النكسة، ومع ذلك فلا زالت المسؤولية ضائعة بضياع وثائق حزيران.

المنفى الاختياري

  في 23 مايو 1974، أفرج الرئيس أنور السادات عن شمس بدران، وفي مقابلة شخصية بين السادات وبدران بعد الإفراج عنه، أخبر الرئيس أنه سيسافر إلى باريس، فقال له السادات: “سوف امنحك جواز سفر دبلوماسياً ليسهل عليك عملية السفر والانتقال” غير أنه غير وجهته إلى لندن.

وبعدها بشهر واحد خرج شمس بدران من مصر معززا مكرما للإقامة في لندن بجواز سفر دبلوماسي أصدرته وزارة الخارجي صالحا لمدة عشر سنوات باعتباره وزيرا سابقا. كما وافق الرئيس السادات على منحه معاش وزير قدره 225 جنيها شهريا.

   في لندن بأنه كان يقيم في شقة فاخرة وعمل في تجارة الأعلاف، وله ثروة ضخمة في البنوك البريطانية وأنه يمتلك مصنعا للجبن. ويركب سيارة مرسيدس آخر موديل.

 الوفاة

يوم الإثنين 30 نوفمبر 2020 غيب الموت شمس بدران عن عمر يناهز 91 عاما، بعد صراع من المرض، تاركا وصية لأبنائه بأن يواري جسده تراب مصر التي غاب عنها سنوات طويلة.

رأي اليوم