التطبيع على شواطئ البحر الأحمر

48

أبين اليوم – مقالات

بقلم د /أنيس الأصبحي

تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني والسعودية والتطبيق العملي الراهن سيكون عبر مشروع “نيوم”
وسائل إعلام إسرائيلية كشفت اليوم الإثنين ٢٤نوفمبر ٢٠٢٠م عن رحلة سرية إلى السعودية أقلعت مساء الأحد من مطار بن غوريون، وقالت إن نتنياهو وبرفقته رئيس الموساد التقيا ولي العهد السعودي في مدينة نيوم السعودية بحضور وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. وبحسب الرواية الإسرائيلية، فأن “الطائرة الخاصة التي أقلعت بالأمس من مطار بن غوريون إلى المدينة الساحلة نيوم في السعودية، وعادت منها خلال الليل إلى “إسرائيل”، وقد سبق وأن استخدمها نتنياهو في السابق”.
رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين، كان كشف أن “السعودية تنتظر الانتخابات الرئاسية الأميركية من أجل تقديم هدية للرئيس المنتخب”. وبحسب “القناة12” الإسرائيلية، قال كوهين إن “هناك جهداً كبيراً جداً في الساحة السعودية، ضغط كبير، نتمنى أن يولّد شيئاً، مشيراً إلى أن “السعوديين ينتظرون الانتخابات الأميركية لتقديم هدية للرئيس المنتخب”
الوصول الى المدينة الساحليةنيوم واللقاء فيها لها دلالات فهناك علاقةً عضويةً بين”إسرائيل” و”نيوم”، وأن هذا المشروع الذي يتكلف 500 مليار دولار يقع المشروع على مساحة 26.500 شمال غرب المملكة، ونحو1000كيلومتر مربع داخل الأراضي المصرية، جنوب سيناء، سيكون بوابةً لتطبيع العلاقات بين البلدين، وابن سلمان اختار هذه المنطقة القريبة من “إسرائيل” لتكون مقرًا جديدًا لحكمه الممتد، كما يشير آخرون إلى أن “نيوم” لا تعني كما اختار أصحاب التسمية (المستقبل الجديد)، وإنما تعني “مدين”، مقلوبةً، مع إبدال الدال، بالواو، وهو الصوت الذي بدأ به سفر الخروج في العهد القديم.

أثيرت علاقة “إسرائيل” بهذا المشروع قبل طرحه، عندما تنازل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للسعودية عن جزيرتي تيران وصنافير، صغيرتي المساحة كبيرتي الأهمية، وتحويلهما لمنطقة مضايق مائية دولية، لتدخل المملكة بشكل غير مباشر في ترتيبات السلام مع “إسرائيل”.
وبعد طرحه، رصد بعض الباحثين، تطابقًا فريدًا بين تفاصيل المشروع وتصورات الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز عن مستقبل التعاون الإقليمي في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” عام 1993.
ولذلك تجد “إسرائيل” عبر مشروع نيوم (الامتداد البحري وصولاً إلى إيلات، ثم براً باتجاه ميناء حيفا)، بالترافق مع مشاريع سكك الحديد مع الأردن ودول الخليج، مضافاً إليها خطوط الغاز، الفرصة التاريخية الأمثل لبناء الاتصال الجغرافي الواقع تحت هيمنة “إسرائيل الجديدة”.
كلّ ذلك يفجّر سؤالاً مركزياً حول ماهية المشروع، ماذا يعني أن يكون مشروع نيوم أكثر من مشروع اقتصادي؟ وماذا يعني أن يكون هناك إصرار إسرائيلي على استكماله أكثر من الإصرار السعودي نفسه؟ ربما أجاب عبدالرحيم الحويطي قبل قتله على يد أجهزة الأمن السعودية باختصار: “الآن أتذكر ما الذي حصل مع الفلسطينيين”. إنه يقارب مشروع تهجير السكان الأصليين وأصحاب الأرض في فلسطين مع ما ينتجه مشروع نيوم، والسبب واحد: “إسرائيل” والتطبيع معها.

تهيئة “إسرائيل” الجديدة.. الهيمنة تقنياً
بعد 72 سنة على الاحتلال الاستيطاني لفلسطين، ما زالت “إسرائيل” عاجزة عن فرض حلول ديمغرافية وجغرافية، بمعنى الإخلاء الكامل للأراضي من أصحابها، وفرض الحدود على مزاجها بشكل مطلق، وما زالت عاجزة عن كسر حالة الرفض الشعبي لها في المحيط العربي.

وما زاد الطّين بلّة بالنسبة إليها، وصول محور المقاومة إلى حدودها، بتنظيمات مدرّبة ومستعدة وقادرة، الأمر الذي يلجمها من التفكير في أي نسخة من الحروب الخاطفة، ويجعلها تلجأ إلى حلول جديدة، تمثل في جوهرها ماهية “إسرائيل الجديدة”.
تقوم هذه الحلول على بناء تجمع تكنولوجي ضخم، تقدم فيه “إسرائيل” الأبحاث والمختبرات والأنظمة والموارد البشرية، وتنسّق في سياق ذلك مع الشركات العالمية الكبرى، ومع الخليج كواحد من أكبر الزبائن والممولين في الوقت نفسه، وأيضاً بوابة التسويق إلى الأسواق العربية، للهيمنة على بنيتها التحتية من خلال أنظمة الحماية الإلكترونية..
نيوم تختصر كل هذا في مكان واحد، وتؤسس لهذه المرحلة، وتمثل قلبها، وهي التعبير العملي لما يوصف في وسائل الإعلام الإسرائيلية عن الكيان
**كسر حصار الجغرافيا *”
في خطاب للزعيم الراحل جمال عبدالناصر، يقول إن المصريين لم يسمحوا قبل العام 1956م (العدوان الثلاثي على مصر) للسفن الإسرائيلية باستخدام مضيق تيران، حتى إن السفن الأميركية والبريطانية.. ليست تيران عائقاً جغرافياً في طريق نيوم فقط، وإنما هي عائق تاريخي وسياسي وأخلاقي في مواجهة مشاريع التطبيع كذلك.

إن الحصار الذي عمل على تكريسه عبدالناصر ضد “إسرائيل”، تحاول السعودية اليوم عبر مشروع نيوم تحويله إلى حلقة وصل قوية مع “إسرائيل”، والمصريون الذين يستذكرون حرب أكتوبر ورفع العلم المصري على الجزيرتين على أنغام “رايحين شايلين في إيدينا سلاح”، يراد لهم أن يتحولوا إلى عمالة رخيصة في المشاريع الإسرائيلية الجديدة، وأن يلقوا السلاح، ويحملوا لوازم المستودعات (هذا إن لم تنافسهم الروبوتات الإسرائيلية على فرص العمل تلك).

إن ذلك ينسجم تماماً مع تاريخ الموقف السعودي من الجزيرتين، فهي لم تعترض على استخدام المصريين لها في العدوان الثلاثي أو في حرب حزيران أو حرب أكتوبر العام 1973م، لأنها لا تريد أي مواجهة مباشرة مع “إسرائيل”، ولكن الموقف اتخذ اتجاهاً مغايراً منذ اتفاقية كامب ديفيد، باعتبار أن حالة الحرب انتهت، ووصل الموقف إلى ذروته مع إلحاح مشروع نيوم التطبيعي.
إنها باختصار المعادلة الأساسية للخطة الإسرائيلية؛ جغرافيا متصلة واقعة تحت هيمنة أنظمة تكنولوجية وبنية تحتية إسرائيلية، واستثمارات بالتشارك مع الخليج.
نيوم ليست مشروعاً اقتصادياً يحاول إبدال حقبة النفط، فالاقتصادات الريعية لا تستبدل بها اقتصادات هشة وظيفتها الوحيدة احتضان الاستثمار، كما أنها ليست فقط تطبيعاً اقتصادياً، بل ربما تكون الذراع الأخطر في عملية التطبيع التي تقودها السعودية والإمارات اليوم، فأن تؤسّس جغرافيا متصلة، يديرها اقتصاد إسرائيلي، وتروّج لمنطقة سياحية باستدعاءات توراتية (جبل اللوز ومواقع عبور النبي موسى)، فذلك أوسع من مشروع تطبيع اقتصادي مقتصر على كسرالمقاطعة وتبادل البضائع.
نيوم مشروع مستمر بعيداً من مؤثرات الاقتصاد، فهو لم يكن مصمماً لغايات اقتصادية سعودية، وإنما لضرورة جيوسياسية صهيونية.
نيوم ليست مشروعاً اقتصادياً بل سبكون الذراع الأخطر في عملية التطبيع التي تقودها السعودية والإمارات في المنطقة وعلى اليمن وجغرافيتها خاصة.