عطوان: لماذا تأتي هرولة “زُعماء عرب” للمُشاركة بقمّة المناخ في دبي وفرش السجّاد الأحمر للرئيس الإسرائيلي وعقد لقاءات معه قمّة الإهانة؟ هل تُمهّد دولة قطر للتطبيع وطرد قيادة “حماس” من عاصِمتها في الأشهر القادمة.. وكيف..!

5٬693

أبين اليوم – مقالات وتحليلات 

بقلم/ عبد الباري عطوان:

مُشاركة العديد من المُلوك والرّؤساء والأُمراء العرب في أعمال مُؤتمر المناخ الدولي الذي جرى افتِتاحه أمس في دبي بدولة الإمارات العربيّة، وبحُضور إسحق هرتسوغ رئيس “إسرائيل”، أمْرٌ مُستَهجنٌ خاصَّةً أن هذا الانعِقاد تزامَن مع حرب الإبادة والتّطهير العِرقي الذي يُمارسه جيش بلاده في قِطاع غزة وأدّى إلى استِشهاد 20 ألفًا، وإصابة ضِعف هذا الرّقم من المدنيين العُزّل، وتدمير نِصف منازل القِطاع على الأقل، إن لم يكن أكثر.

نُدرك جيّدًا أن هذا المُؤتمر دولي ودوري، ويهتم بقضايا البيئة والمُتغيّرات المناخيّة، ولكن فرش السجّاد الأحمر للرئيس الإسرائيلي، ولقاءه من قبل زعماء عرب من بينهم أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس دولة الإمارات العربيّة المتحدة الشيخ محمد بن زايد وفي هذا التّوقيت، يُعتبر في نظرنا إهانةً لدِماء الشّهداء والأطفال في القِطاع، وأكثر من مِليونين من المُهجّرين بالقُوّة من أبناء القِطاع، وقطع كُل أسباب الحياة من ماءٍ وكهرباء وطاقة وغذاء عنهم.

كانَ مُعيبًا، ومُحرِجًا، لكُلّ الزّعماء العرب المُشاركين في المُؤتمر، أو هكذا نعتقد، أن تأتي مُقاطعة المُؤتمر من قِبَل السيّد إبراهيم رئيسي رئيس دولة إيران، وانسِحاب وفد بلاده برئاسة السيّد علي أكبر محرابيان وزير الطّاقة احتِجاجًا على وجود الرئيس الإسرائيلي، فالمُشاركون العرب أوْلى باتّخاذ مِثل هذه المواقف، بل والذّهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، أيّ قطع العلاقات كُلِّيًّا مع دولة الإحتلال، وإغلاق سفاراتها في عواصم بلادهم، أُسوَةً بدُوَلٍ عربيّةٍ وغير مُسلمة، مِثل بوليفيا وتشيلي وكولومبيا وجنوب إفريقيا.

كتائب المُقاومة التي يتصدّى مُجاهدوها ببسالةٍ للعُدوان الإسرائيلي الحالي على قِطاع غزة، وسجّلت انتصارًا تاريخيًّا غير مسبوق بصُمودها وتحريرها لأكثر من 50 مُستعمرة وبلدة مُحتلّة في غِلاف غزة، عندما قتلت أكثر من 1400 إسرائيلي مُعظمهم من الجُنود والمُستوطنين، وأصابت أكثر من ثلاثة آلاف، هذه الكتائب ومن بينها حركة “حماس” استنكرت بشدّةٍ مُشاركة الرئيس الإسرائيلي في مُؤتمر المناخ “في الوقت الذي يرتكب فيه كيانه وجيشه المُجازر المُروّعة، وحرب الإبادة ضدّ الشعب الفِلسطيني خاصّةً في قِطاع غزة، وتدمير الأحياء السّكنيّة والمُستشفيات والمساجد والكنائس والجامعات والمدارس” حسب ما جاء في البيان الصّادر عنها.

وأشارت الحركة (حماس) في بيانها “المُهذّب” والكاظِم للغيْظْ، إلى أنها “كانت تتمنّى على دولة الإمارات عدم دعوته (الرئيس الإسرائيلي) حتّى وإن كان المُؤتمر دوليًّا”.

اللّافت أن الولايات المتحدة التي تُشارك فِعليًّا في حرب الإبادة في قِطاع غزّة بإقامتها جسر جوّي لتزويد “إسرائيل” بالذّخائر والأسلحة، علاوةً على إرسال 2000 جُندي لتعزيز الهُجوم، و14 مِليار دولار كمُساعدة لتغطية نفقات حربها، تُخطّط لشنّ حربٍ شرسةٍ ضدّ حركات المُقاومة، وحركة حماس تحديدًا، لإغلاق مُعظم العواصم العربيّة في وجهها، وخاصَّةً الدوحة التي فتحت مكتبًا لها في العاصمة القطريّة، ويطلب من الولايات المتحدة، مثلما اعترف أحد المسؤولين القطريين، وبرضاءٍ إسرائيليٍّ، فقد كشفت وكالة “رويترز” العالميّة في تقريرٍ لها نُشر مُؤخَّرًا نقلًا عن مسؤولٍ أمريكيٍّ كبير، وأعادت مجلّة “بوليتيكو” تأكيده اليوم، أن قطر “أبلغت الولايات المتحدة أنها مُنفتحة على إعادة النّظر في وجود قيادة حركة “حماس” على أرضها بمُجرّد حل أزمة الرّهائن والأسرى والمُحتَجزين لديها أيّ حركة حماس”.

وذكر المسؤول نفسه “أن هذا التّفاهم تمّ التوصّل إليه خِلال إجتماع بين أنتوني بلينكن وزير الخارجيّة الأمريكي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة في وقتٍ سابقٍ من هذا الشّهر”.

هذه الحرب الأمريكيّة على فصائل المُقاومة التي تأتي بتحريضٍ من دولة الإحتلال ستُعطي نتائج عكسيّة على المِنطقة والولايات المتحدة ومصالحها فيها، ولمصلحة التطرّف والمحور الروسي الصيني الصّاعد، ولا نستبعد أن تكون دولة قطر التي استخدمت وجود حركة “حماس” في أراضيها كورقة لتمييزها سياسيًّا ووطنيًّا عن الدّول الخليجيّة الأُخرى، والمُطبّعة على وجْه الخُصوص، من أحد أبرز الخاسِرين إذا ما رضخت للإملاءات الأمريكيّة.

التاريخ نشطٌ جدًّا في الوقتِ الرّاهن على صعيد رصد المواقف، والرسميّة العربيّة خاصَّةً، التي تتناقض مُعظمها مع قيم العُروبة والإسلام والإنسانيّة، وتتآمر على حركات مُقاومة تتصدّى لحُروب التّطهير والإبادة، وتقدّم عشَرات الآلاف من الشّهداء دِفاعًا عن الأماكن المُقدّسة وردعًا لعمليّات التّهويد التي تتعرّض لها، وفي القدس المُحتلّة تحديدًا، نيابةً عن الأُمّتين العربيّة والإسلاميّة.

حرب غزة، وأيًّا كانت نهايتها، ومن المُرجّح أن تكون إيجابيّة، وهزيمة كُبرى لدولة الاحتِلال، قد تَجِبُّ كُل ما قبلها من سياسات ومواقف استِسلاميّة مُهينة رُضوخًا لإملاءات أمريكا، وزائدتها الدوديّة في المِنطقة، وستكون بداية انهِيار الأنظمة المُتواطئة على غِرار المرحلة التي تَلَتْ نكبة عام 1948 وعلى جميع المُتواطئين أن يتحسّسوا رُؤوسهم.. والأيّام بيننا.

 

المصدر: رأي اليوم