عطوان: هل ستُؤسّس قمّة النقب “الناتو” العربي الإسرائيلي الإقليمي الجديد والذّريعة إيران؟ وماذا يعني أن يزور العرب المُشاركون فيها قبر بن غوريون ويقرأون الفاتحة على روحه؟ وكيف سقطت مِصر في هذه المِصيَدة؟

4٬065

بقلم/ عبد الباري عطوان:

ثلاث قمم انعقدت في الأيّام الخمسة الماضية في كُل من النّقب وشرم الشيخ، والعقبة، كانت إسرائيل هي اللاعب الأبرز بشَكلٍ مُباشر أو غير مُباشر، والهدف منها تتويجها زعيمةً للمنطقة، وتأسيس “حلف ناتو” عربي إسرائيلي على أرضيّة اتّفاقات “سلام أبراهام” قديمها وحديثها.

القمّة التي ستضع “حجر الأساس” للحِلف الجديد، هي تلك الخامسة بدأت اليوم في النّقب، جنوب فِلسطين المُحتلّة، بحُضور أنتوني بلينكن وزير الخارجيّة الأمريكي، ونُظرائه في مِصر والإمارات والمغرب والبحرين، و”إسرائيل” الدّولة المُضيفة، هي الأخطر في تقديرنا، لأنّها تُؤرّخ لاحتِضان عربي رسمي علني لدولة الاحتِلال على الصُّعُد كافّة، وربط أمنها، ووجودها، بالحُكومات العربيّة المُشاركة في هذه القمّة في مُواجهة محور المُقاومة الذي تتزعّمه إيران دُون أيّ خجل أو حياء، أو الحد الأدنى من قيم الكرامة وعزّة النفس.

العُنوان الذي تتّخذه الدّول المُشاركة في هذه القمم، كذريعة وغطاء، هو احتماليّة تمخّض مُفاوضات فيينا عن اتّفاق نووي جديد مع إيران، يكون من أبرز بُنوده رفع جميع العُقوبات، والاعتِراف بالدّور الإقليمي لإيران، وفكّ تجميد مِئة مِليار دولار، مصحوبةً بتعويضاتٍ قد تصل لمئتيّ مِليار دولار، والأهم من كُل ذلك إزالة الحرس الثوري الإيراني من قائمة الإرهاب الأمريكيّة.

أن تستمر قمّة النقب لمُدّة يومين، فهذا يعني أن هُناك جدول أعمال لميثاق تحالف مُعَد بإحكام، ومُعاهدة دفاع مُشترك، وخطّة عمل ميداني أمني عسكري، مُحكمة الإعداد برعايةٍ أمريكيّة، وهذا يعني الوقوف في الخندق الأمريكي في حرب أوكرانيا وفي مُواجهة روسيا، وهذه مُقامرة كُبرى محفوفة بالمخاطر، وغير مضمونة النّجاح.

لا نُجادل مُطلقًا بأن إيران تُشَكّل مع أذرعها العسكريّة الحليفة، خطرًا وجوديًّا على دولة الاحتِلال الإسرائيلي، وهذا أمرٌ في مصلحتنا كعرب، أو من تبقّى من المُؤمنين بهذا التّوصيف، ولكن ما هو الخطر الذي تُشكّله على 110 مِليون مِصري، أو على المغرب التي تَبعُد عنها بأكثر من خمسة آلاف كيلومتر؟

هذه القمّة وأجنداتها، تضع حجر التّأسيس لحِلف “الناتو” العربي الإسرائيلي الجديد، وتفتيت الوطن العربي، ودفن الجامعة، ومؤسّسة القمّة العربيّة، ومعها قضيّة فِلسطين وعُروبة مدينة القدس، وتبنّي المشروع الصهيوني بالكامل، وإعطائه دفعة جديدة من الحياة بعد أن دخل مرحلة الاحتِضار معنويًّا وعسكريًّا بعد حرب “سيف القدس” الأخيرة، في ظِل تعاظم قوّة محور المُقاومة، وامتِلاكه أسبابها الصاروخيّة الدّقيقة المُدعّمة بالطّائرات المُسيّرة التي همّشت سِلاح الجو، والتفوّق النوعي العسكري الإسرائيلي.

مُؤلم جدًّا أن يقوم وزراء الخارجيّة العرب المُشاركين في قمّة النّقب بزيارة ضريح بن غوريون، مُؤسّس “إسرائيل” ووضع إكليل الزّهور فوقه تكريمًا، ولا نستبعد أن يذرف بعضهم الدّموع تأثّرًا برحيله، وقراءة الفاتحة على روحه، ونسأل هل زار مسؤول إسرائيلي، أو أمريكي، ضريح الرئيس المِصري العربي المُسلم جمال عبد الناصر؟ إنها قمّة الهوان والرّكوع.

تنصيب دولة الاحتِلال الإسرائيلي زعيمة لحِلف “الناتو” الإقليمي الجديد إثم وخطيئة كُبرى، وهذا الحِلف لن ينجح في مُواجهة إيران ومحور المُقاومة، ولن يُبَدِّد قلق الدّول الأعضاء فيه، وتوفير الحِماية بالتّالي لها، بل ربّما سيُؤدّي إلى تفاقمه، وتعريض الدّول الأعضاء لأخطار أمنيّة أخطر، وبِما يُؤدّي إلى زعزعة استِقرار أنظمة الحُكم فيها.

أمريكا المهزومة في العِراق وأفغانستان وسوريا وفنزويلا لم تعد القوّة العُظمى المُهابة في العالم، خاصَّةً بعدما ظهر ضعفها بجلاءٍ في حرب أوكرانيا، وتخلّيها عن الأوكرانيين ضحايا هذه الحرب، وعدم إرسالها، وحلف “الناتو” الذي تتزعّمه، جُنديًّا واحدًا لنُصرتهم، وباتت تستجدي الحُكومات العربيّة، الواحدة تِلو الأخرى، لوقوفها في خندقها في هذه الحرب، دون أن تفوز إلا في تجنيد دولة أو اثنتين فقط حتى الآن.

الدّول العربيّة الأخرى التي تقف في الخندق الآخر، والمُستَهدفة بهذا التّحالف الجديد، يجب أن تخرج عن صمتها وتتحرّك بسُرعةٍ لتجميع صُفوفها، وتشكيل جبهة عربيّة إسلاميّة مُوحّدة، من مُنطلق الدّفاع عن نفسها ومصالح الأمّة، والتصدّي لهذا الحِلف الصّهيوني العربي الجديد، ونحن نتحدّث هُنا تحديدًا عن الجزائر وسوريا والعِراق واليمن ولبنان وفصائل المُقاومة الفِلسطينيّة، وبعض الدّول الخليجيّة التي لم تحسم موقفها حتى الآن.

المحور العربي الوطني الجديد المُضاد للآخر الإسرائيلي يملك كُل أسباب القوّة، وتقف خلفه دولة إقليميّة إسلاميّة عُظمى “شِبه نوويّة” هي إيران، وتحالف دولي نووي صيني روسي كوري شمالي هندي في صُعود، ويستعد للإطاحة بالعرش الأمريكي، وتقزيم امبراطوريّة الدّولار التي كانت من أبرز أدوات هيمنته على مُقدّرات العالم.

سرّ نجاح إيران يكمن في أربعة عوامل: الإرادة، والاعتِماد على الذّات، والمشروع السّياسي الواضح، والزّعامة الصّلبة، وهي العوامل الأربعة التي كانت وراء قيام جميع الامبراطوريّات، والإسلاميّة والعربيّة منها على وجه الخُصوص، ومن المُؤسف أن هذه المُواصفات لا تتوفّر في مُعظم، إن لم يكن جميع الدّول العربيّة هذه الأيّام، ولهذا نحن في حالةِ هُبوط مُتواصلة تجاوزت القاع إلى ما تحته.

يُؤلمنا أن يقوم يائير لبيد وزير الخارجيّة الإسرائيلي بجر أربعة وزراء خارجيّة عرب إلى قمّة النقب، ويُؤلمنا أكثر أن يكون وزير خارجيّة مِصر الدّولة الرّائدة الكُبرى من بينهم، ويضع إكليلًا من الزّهور على قبْر بن غوريون الذي ارتكب وحُلفاؤه المجازر في حقّ العرب، والمِصريين منهم على وجه الخُصوص، وأعدموا الأسرى وأطفال مدرسة بحر البقر بدَمٍ بارد.
حلف “الناتو” بجلالة عظمته لم ينتصر في أفغانستان والعِراق وسورية، ولهذا فإنّ وليده الإسرائيلي العربي “المسخ” لن يحمي دولة الاحتِلال، وشُركاءها في “سلام أبراهام”.. والأيّام بيننا.

المصدر: رأي اليوم