عطوان: هل اقتربت المُخابرات الإسرائيليّة من موقع “اختِباءِ” السنوار فعلًا؟ وما هي أحدث التّسريبات في هذا المِضمار؟ ولماذا دخلت المُخابرات الأمريكيّة وأحدث أجهزتها إلى ميدان البحثِ والرّصد في قطاع غزة؟ وما هي فُرص النّجاح والفشَل..!

5٬790

أبين اليوم – مقالات وتحليلات 

تحليل/ عبدالباري عطوان:

لا يمرّ يوم تقريبًا دون أن تصدر تصريحات أو مقالات في الصّحافتين الإسرائيليّة والأمريكيّة تتحدّث عن المُجاهد يحيى السنوار وتُبشّر بوجود معلومات عن مكان إقامته، وقُرب التوصّل إليه واغتياله أو إعتقاله.

مُنذ ما يقارب خمسة أشهر ومِثل هذه الأخبار تتكرّر، فمرّةً يقولون إنّه “مُختَبِئٌ” في نفقٍ في خان يونس، ومرّةً أُخرى يقولون إنهم عثروا على فيديوهات له مع عائلته في إحدى الأنفاق وتمّ التعرّف عليه من أُذنيه لأنّ التّصوير كان من الخلف، وتبيّن أن مُعظم هذه الرّوايات مُفبركة، وتهدف لردّ الاعتِبار لأجهزة المُخابرات الإسرائيليّة التي تدمّرت سُمعتها، وانفضحت مُبالغاتها في قوّتها، وحجمها، وتطوّرها بفِعل عمليّة “طُوفان الأقصى” التاريخيّة المحوريّة في السّابع من شهر تشرين أوّل (أكتوبر) الماضي.

أحدث الرّوايات نشرتها صحيفة “الواشنطن بوست” نقلًا عن مسؤولين كِبار في أجهزة المُخابرات الأمريكيّة والإسرائيليّة، تؤكّد أن المُجاهد السنوار “ما زال مُختبئًا في نفقٍ في مِنطقة خان يونس مسقط رأسه، ويُحيط نفسه بمجموعةٍ من الرّهائن الإسرائيليين يستخدمهم كدروعٍ بشريّة”، وتُضيف الصّحيفة “أن خوف المُخابرات الإسرائيليّة من الإقدام على قتله يعود إلى حِرصها على عدم إيذاء الرّهائن”.

عدّة نقاط في هذا التّقرير الاستِخباري المُسرّب عمدًا لفتت نظرنا لتضمّنها العديد من الحقائقِ الجديدة:

الأولى: مُشاركة فرق من الخُبراء في المُخابرات الأمريكيّة في البحثِ عن المُجاهد السنوار (أبو إبراهيم) جنبًا إلى جنب مع نُظرائهم الإسرائيليين.

الثانية: إستخدام أجهزة رصد وتنصّت أمريكيّة مُتقدّمة جدًّا، للمُساعدة في البحث عنه، وأماكن تحرّكاته، ممّا يُؤكّد عمليًّا أنّ كُل تصريحات النّفي للمُشاركة الاستخباريّة والعسكريّة الأمريكيّة في حرب غزة كاذبة.

الثالثة: تفوّق أجهزة الاستِخبارات التّابعة للمُقاومة الفِلسطينيّة، وحركة “حماس” تحديدًا، سواءً من خِلال الحِفاظ على وجود الأسرى الإسرائيليين في أماكنٍ آمنة، وتضليل كُل نظيراتها الأمريكيّة والإسرائيليّة، فعدم الوُصول إليهم رُغم كل هذه الأجهزة المُتقدّمة طِوال الأشهر الماضية يُؤكّد هذه الحقيقة.

الرابعة: التّقارير عن إستخدام المُجاهد السنوار لـ”الرّهائن” كدروعٍ بشريّة ممّا يحول دُون اغتياله أو القبض عليه حِرصًا على أرواحهم، مُحاولة كذب مكشوفة لتبرير الفشل، وخديعة الرأي العام الإسرائيلي الذي يُعطي مسألة الإفراج عن هؤلاء أولويّة قُصوى، وينتقد بشدّة عجْز أجهزته عن تحقيق هذا الهدف.

الهوس الأمريكي الإسرائيلي بالوصول إلى السيّد السنوار وقتله أو اعتقاله، يعود إلى القُدرات القتاليّة والسياسيّة، والإداريّة، العالية التي يتمتّع بها، وصلابته في الصّمود، فالإسرائيليّون، حُكومةً وجيشًا، وأجهزة أمنيّة، لم يعرفوا قيادة فِلسطينيّة، أو حتّى عربيّة، تملك هذه الخُبرات مُجتمعة ممزوجة بصلابةٍ غير مسبوقة، وهم يعتقدون مُخطئين، أنّ اغتيال هذا الرّجل سيُؤدّي إلى انهِيار حركة حماس، ومعها فصائل المُقاومة الأُخرى.

الثّنائي الأمريكي- الإسرائيلي تعوّدا على التّعاطي مع قيادات عربيّة ضعيفة وخانعة، ترضخ لإملاءاتهم خوفًا ورُعبًا من رُدودِ فِعلهم، وإطاحتهم من عُروشهم، ولهذا يُريدون القضاء على ظاهرة “القيادة السّنواريّة” التي تُشكّل شُذوذًا عن القاعدة العربيّة في أسرعِ وقتٍ مُمكن حتّى لا تترسّخ أوّلًا، ولا تنتقل إلى دُولٍ عربيّةٍ ثانيًا، ولا تُصبح قُدوة للأجيال العربيّة والفِلسطينيّة الحاليّة والقادمة ثالثًا.

القيادة العسكريّة والاستخباريّة الإسرائيليّة لا تهتم بأرواح الأسرى، ولن تتردّد في استِخدام كُل ما في جُعبتها من أسلحةِ دمارٍ شامل للقضاء على المُجاهد السنوار وجِنرالاته المُحيطين به، فعشَرات الأسرى قُتلوا بنيران الجيش الإسرائيلي وليس برصاص المُقاومة، ومن المُفارقة أنّ هؤلاء الأسرى عُومِلوا بمُعاملةٍ حسنة، وزارهم السيّد السنوار شخصيًّا، وطمأنهم على حياتهم، وأكرم وفادتهم غذاءً ودواء، تَمَسُّكًا بأخلاقِ الإسلام، وانعكاسًا لتعاليمه الصّارمة في هذا المِضمار.

تِكرار الرّواية التي تقول إنّ المُجاهد السنوار يُقيم في أحد الانفاق سواءً تحت الأرض في غزة أو خان يونس أو رفح، دليلٌ على فشلهم في الوصولِ إليه، ويكونوا بذلك قد فسّروا الماء بالماء، فأين سيُقيم؟ في قصرٍ مثلًا، أو منزل فاخِر مُنتَظِرًا وصولهم لقتله أو اعتقاله؟

لسنا مع النظريّة التي تُقلّل من أثَرِ ومفعول اعتقال أو اغتيال المُجاهد السنوار، وتِكرار العِبارات المُتداولة، بأنّ حركة “حماس” لن تتأثّر بهذه النّتيجة لا قدّر الله لسببينِ رئيسيّين:

الأوّل: أن حركة “حماس” تحت قيادته وجِنرالاته العسكريين مُختلفةٌ كُلّيًّا عن حالها قبل احتِلالهم مِقعَد القِيادة، وهذا النّوع من القِيادات الصّلبة الصّادمة البارعة في التّخطيط والتّنفيذ، وتملك أعصابًا حديديّة، وسيكون لفُقدانها آثارًا سلبيّة جدًّا، فهذا النّوع من القِيادات لا يتكرّر بسُهولة.

الثاني: أن مُعظم القِيادات في مُعظم الدّول العربيّة التي تتسلّم السّلطة هذه الأيّام أسوأ بكثير من سابقاتها، ونحنُ لا نتحدّث هُنا عن القيادات التاريخيّة مِثل جمال عبد الناصر، ولكن حتّى عن القيادات غير التاريخيّة التي ورثت الحُكم، فمِن المُؤسف أنّنا وصلنا إلى مرحلة نترحّم فيها على رؤساء وأُمراء ومُلوك اتّهمناهم، بالضّعف وانعِدام الكفاءة بعد أن رأينا من وصل إلى السّلطة بعدهم وكيفيّة ارتمِائهم تحت أحذية الحُكومات الأمريكيّة، والتّفريط بالكرامة والأراضي والأعراض، والهرولة والمُبالغة في التّطبيع مع دولة الاحتِلال.

سيظلّ المُجاهد السنوار كابوسًا وشوكةً داميةً في حُلوقهم حتّى يكتبُ الله لهُ الشّهادة لأنّه كسب الحرب، وزلزل الكيان الغاصِب، ودمّر هيبته وجيشه، وأمنه واستِقراره، وتفوّقه العسكريّ المُنتهي الصلاحيّة، والعاجز عن توفير الحِماية لمُستوطنيه، وأظهر عبقريّة في التّخطيط والتّنفيذ لم يتوقّعوها مُطلقًا، حيث جميع العرب في نظرهم أغبياء، خامِلون، ولا يسعون إلّا إلى المالِ والملذّاتِ وإرضاء “العمّ” الأمريكيّ، وإطاعة أوامِرَهُ دُونَ تفكيرٍ أو نقاش.

 

المصدر: رأي اليوم