لماذا اختار روحاني هذا التّوقيت لرَفضِ أيّ تعديل للاتّفاق النووي ومُشاركة السعوديّة وإسرائيل في أيّ مُفاوضات مُقبلة؟ وهل يستجيب السيّد خامنئي للضّغوط ويُعَدِّل فتواه بتحريم إنتاج أسلحة نوويّة؟ وما الذي دفع نِتنياهو للعودة بالتّهديد لضرب المُنشآت النوويّة الإيرانيّة “مُنفَرِدًا”..!

156

بقلم/ عبدالباري عطوان

ربّما لا تكون المُفاوضات المُباشِرة قد بدأت رسميًّا بين إيران وإدارة الرئيس جو بايدن حول كيفيّة العودة إلى الاتّفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة دونالد ترامب عام 2018، ولكنّ الأمر المُؤكّد أنّها بدأت فِعليًّا عبر وسائل الإعلام، والتّصريحات المُتبادَلة وما تحمله من رسائل، وما تطرحه من أفكار، وبهدف إيصال رسائل “مُبطّنة” ليس من الصّعب على المُراقب المُتابع لهذا المِلف عن كثبٍ أن يفهم مضامينها.

السّؤال الأكبر المطروح حتّى الآن هو عن الطّرف الذي “سيَصرُخ أوّلًا” في معركة عضّ الأصابع الدبلوماسيّة المُحتَدِمَة حاليًّا بين الطّرفين؟ فهل ستكون إيران هي البادئة بالخطوة الأولى، وتُلَبِّي المطلب الأمريكيّ بالعودة إلى الإلتزام ببُنود الإتفاق؟ أم من إدارة بايدن بالاستِجابة إلى الشّرط الإيراني، أيّ الرّفع الكامل للعُقوبات الاقتصاديّة التي فرضتها إدارة ترامب؟

السيّد محمد جواد ظريف، شيخ الدبلوماسيّة الإيرانيّة، أراد إنهاء هذه المُعضلة، وتقديم حلًّا وسطًا في حديثه إلى محطّة “سي إن إن” يتمثّل في عَودةٍ مُتزامنةٍ من قبل الجانبين إلى الإتفاق وفق خطوات مُتَدرِّجة، أيّ تنازل، أو التِزام مُقابل آخَر على أن يتم ذلك برعاية الوسيط الأوروبي.

الرّد الأمريكيّ على هذا الاقتراح جاء فاترًا، الأمر الذي دعا الرئيس حسن روحاني على إطلاق “تصريحات ناريّة” اليوم (الأربعاء) وعلى الهواء مُباشرةً أثناء رئاسته للاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء قال فيها، “لن يتم تعديل بند واحد من الاتّفاق، ولن يتم قُبول حُضور أيّ طرف غير الدّول السّت إلى خطّة العمل الشّاملة المُشتَركة، أيّ المُفاوضات”، والمقصود هُنا إسرائيل والسعوديّة اللّتين طالبتا بالحُضور.

مصادر لبنانيّة مُقرّبة من إيران أكّدت لهذه الصّحيفة، أنّ المزاج السّائد في أوساط مُؤسّسة الحُكم الإيرانيّة هو “التَّشدُّد”، ليس من أجل رفع سقف المطالب في إطار استراتيجيّة تفاوضيّة مألوفة، وإنّما لتوصّلها إلى قناعةٍ راسخة “بأنّها لن تضع رقبتها تحت “البُسطار” الأمريكي مُجدَّدًا، ولم تَعُد تَثِق بأيّ التِزامات أمريكيّة، وتُريد خطوات أمريكيّة جادّةً دائمةً مصحوبةً بضمانات”.

وتساءلت هذه المصادر “ماذا لو عاد الرئيس ترامب، أو أحد الجُمهوريين المُتطرّفين إلى السّلطة، بعد أربع سنوات، وقرّر إعادة العُقوبات الاقتصاديّة، وربّما بصُورةٍ أشرس، وانسحب كُلِّيًّا من الاتّفاق النووي؟”، وقالت “إنّ هُناك قناعةً راسخةً في أروقة صُنّاع القرار في إيران، بالمُضِي قُدُمًا في عمليّات تخصيب اليورانيوم بنسب عالية، وزيادة أجهزة الطّرد المركزي المُتقدّمة، وفكّ الارتباط مع وكالة الطّاقة الذريّة ومُفتّشيها في فيينا”.

صحيح أنّ إدارة بايدن تراجعت، أو ألغت الكثير من القرارات التي أصدرها الرئيس ترامب، ولكنّ مُعظم هذه القرارات داخليّة حتّى الآن، وما يتعلّق منها بالسّياسة الخارجيّة كان ثانويًّا وسطحيًّا، خاصّةً في قضايا الشّرق الأوسط.

ما يُثير القلق، وقلق الإيرانيين خُصوصًا، أنّ أنطوني بلينكن، وزير الخارجيّة الجديد، قال إنّ إدارته “ستتشاور” مع حُلفائها قبل الإقدام على أيّ خطوة تُجاه المِلف النّووي الإيراني، في إشارةٍ إلى أوروبا و”إسرائيل” والمملكة العربيّة السعوديّة، وشدّد على إلغاء الاتّفاق القديم والتّفاوض للتوصّل إلى اتّفاقٍ جديدٍ بشُروطٍ جديدةٍ أبرزها تخلّي إيران عن برامجها الصاروخيّة وإذرعها العسكريّة الضّاربة في لبنان  والعِراق واليمن وقِطاع غزّة، الأمر الذي يعني استِسلامًا على طريقة عِراق صدام حسين، وليبيا معمر القذافي، وهذا ما يُفَسِّر تصريحات روحاني الناريّة السّابقة الذّكر.

لا نعتقد أن الوزير بلينكن جانب الحقيقة عندما كشف أنّ إيران على بُعد أسابيع من امتِلاك أسلحة نوويّة بسبب تخلّيها عن الكثير من بُنود الاتّفاق النووي كرَدٍّ على الانسِحاب الأمريكي منه أوّلًا، وعدم مُمارسة الشّريك الأوروبي بضُغوطٍ فاعلةٍ على إدارة ترامب للعودةِ إليه، ورفع العُقوبات الاقتصاديّة، أو تقديم البديل المُضادّ لها، فهُناك معلومات تُؤكِّد أنّ أصحاب القرار في طِهران استغلّوا الفترة الانتقاليّة قبيل وبعد الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة لتطوير قُدراتهم النوويّة مِثل إنتاج معدن اليورانيوم والشّرائح الانشطاريّة الذريّة، وهي من العناصر المُهِمّة لإنتاج رؤوس نوويّة، وتطوير صواريخ بعيدة المدى قادرة على حملها، حسب بعض التّقارير الغربيّة.

السيّد علي خامنئي المُرشد الأعلى يتَعرّض هذه الأيّام لضُغوطٍ مُتزايدةٍ من قِبَل مجلس الشورى، والنّخبة الإيرانيّة الحاكمة، لإصدار فتوى جديدة تنقض فتوى سابقة بتحريم إنتاج أسلحة نوويّة، في ظِل التّهديدات الإسرائيليّة بضرب المُنشآت النوويّة الإيرانيّة وما يُعَزِّز هذه الضّغوط تصريحات أدلى بها أمس تساحي هانغبي، وزير الاستِيطان الإسرائيلي، وقال فيها “إنّ أمريكا لن تُهاجم المُنشآت النوويّة الإيرانيّة ويجب على إسرائيل أن تُقَرِّر ما إذا كانت ستقبل بإيران نوويّة وعليها التّصرّف بشكلٍ مُستقل لتجنّب هذا “الخطر”..

وكشفت وسائل إعلام إسرائيليّة أنّ نِتنياهو ترأس اجتماعًا يوم الأحد الماضي بمُشاركة مسؤولين عسكريين وسياسيين لمُناقشة الميزانيّة المطلوبة لضربةٍ مُحتملةٍ على إيران إذا لَزِمَ الأمر، وسيرأس اجتماعًا للحُكومة المُصغّرة يوم الأحد المُقبل لبحث المِلف النّووي الإيراني.

قد يكون تسريب هذه الأنباء بهدف مُمارسة ضُغوط إسرائيليّة على إدارة بايدن، لمُهاتفة نِتنياهو وهي الخطوة التي تأخّرت، وعودة التّنسيق مع تل أبيب مُجَدَّدًا، وهذا احتِمالٌ وارد، فإسرائيل تعيش حالةً من القلق غير مسبوق هذه الأيّام لأنّها ترى في إيران خطرًا وجوديًّا مُتصاعِدًا.

أجواء الحرب عادت إلى المِنطقة بشَكلٍ مُتسارعٍ ولعلّ إسقاط أربع طائرات إسرائيليّة مُسيّرة (اثنتان في جنوب لبنان واثنتان في قِطاع غزّة) في غُضون أربعة أيّام رسالة على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة تُؤكِّد مدى جاهزيّة محور المُقاومة لأيّ حربٍ قادمةٍ وربّما وشيكة.