قمة الإنقلاب الإستراتيجي في الإقليم (ج7)

1٬425

ابين اليوم – تحليلات

  بقلم : أحمد عز الدين

في تقدير الموقف الاستراتيجي العام إقليميا ما يستدعي التوقف أمام معادلة مزدوجة ، كان جانبها الأول ما أشرت إليه من أن حلفاء الولايات المتحدة قد فشلوا في دفع الإستراتيجية الأمريكية إلى مداها المطلوب ، وساهموا في خلق حالة بارزة ومؤثرة وفاعلة من مضادات هذه الإستراتيجية ، وأن إسرائيل لم تكن استثناءا من ذلك .

أما الجانب الثاني من المعادلة فهو يتعلق بالولايات المتحدة نفسها وبالإدارة الأمريكية الجديدة ، التي تواجه مأزقا يتعلق بمفهوم السيادة الأمريكية ، بمعنى فرض القيم الأمريكية سلوكيا ، وفرض الهيمنة سياسيا ، أو بمعنى أدق تفعيل نظرية القسر عسكريا ، بينما تواجه أزمة اقتصادية هيكلية متنامية ودعما داخليا للنظام العام يزداد تآكلا ، وتوازنات قوى دولية حتى في صيغها العسكرية المباشرة لا تميل في المجمل لصالحها ، ولذلك فإن تحرك الولايات المتحدة في الإقليم ، بملامحه البادية حتى الآن يبدو أنه محصلة تفاعل بين هذين الجانبين في هذه المعادلة ، فبينما تطل على الإقليم بوجه مصبوغ بقيم الليبرالية وحقوق الإنسان ودعوات إلى التهدئة والحلول السياسية ، تبرز تحت الأصباغ عضلات متقادمة للقوة المسلحة والإكراه السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

إن البنتاجون نفسه هو الذي بدأ في مراجعة وتقييم ما أطلق عليه ( البصمة العسكرية ) للولايات المتحدة والموارد والإستراتيجية والمهمات في جميع أنحاء العالم من أجل إعادة ترميم مشروع الهيمنة ، لكن المسرح الإستراتيجي للشرق الأوسط بٍحكم أنه – أولا – يشكل البؤرة الأساسية للاضطراب العالمي الكبير ، وأنه – ثانيا – القاعدة الأولية للوثوب إلى المسرح الإستراتيجي في آسيا ، وأنه – ثالثا – قد أنتج أشكالا مستجدة من مضادات الإستراتيجية الأمريكية ، قد حظي بأولوية واضحة في مراجعة وتقييم البصمة العسكرية الأمريكية ، لكن النتيجة الأولية لعملية المسح والمراجعة تعطي انطباعا عميقا بأن البيئة الإستراتيجية في الإقليم لم تعد طيّعة بالقدر المطلوب لامتصاص فرض الهيمنة باستخدام نفس الأدوات القديمة .

في السابع من هذا الشهر ( مارس 2021 ) تم إطلاق رابع انتشار هذا العام للقاذفات الإستراتيجية الأمريكية من طراز ) بي 52 أتش ) في الشرق الأوسط ، وللمرة الأولى لا يتم الاكتفاء بإصدار إعلان مقتضب عن المهمة ، فقد صدر في اليوم ذاته بيان أكثر تفصيلا ووضوحا وصف المهمة بأنها ( دورية جوية متعددة الجنسيات في أجواء الشرق الأوسط ) حيث شاركت فيها طائرات مقاتلة من طراز أف 16 لثلاث دول هي إسرائيل – السعودية – قطر ، وحدد أهداف هذه الدورية في ثلاثة بنود : ردع العدوان – طمأنة الشركاء والحلفاء – التزام الجيش الأمريكي بالأمن في المنطقة .

ولك أن تلاحظ – أولا – أن البيان استخدم تعبير ( الردع ) إلى جوار تعبير ( العدوان ) وإذا كانت نظرية الردع بأركانها الثلاثة ، لا تحتاج إلى تعريف ، فقد بقي تعبير العدوان خاليا من أي تعريف ، فقد تحدث عن عدوان غامض فوق خريطة بالغة الاتساع ، وتضاريس بالغة التنوع ، ولك أن تلاحظ – ثانيا – أن البيان فصل بين صنفين هما الشركاء والحلفاء ، وهو أمر لا يحتاج إلى اجتهاد لتعريف كل منهما ، ولك أن تلاحظ – ثالثا – أنه فوق إبراز تعبير الردع فإن هذه الدورية الجوية حددت مهمتها باتساع أجواء الشرق الأوسط ، وأنها استهدفت التعبير عن ( التزام الجيش الأمريكي بالأمن في المنطقة ) ورغم أن تعبير الأمن بدوره كتعبير العدوان يبدو فضفاضا ، فالثابت الوحيد هو مبدأ الردع ودور الجيش الأمريكي في ربوع الإقليم .

غير أن اللافت في ذلك كله أن مبدأ الردع الأمريكي في عموم الشرق الأوسط ، لم يقدر له أن يبقى في حالة ثبات حتى لدورة يوم واحد ، ففي اليوم ذاته مباشرة انطلقت 14 طائرة مسيرة هجومية متزامنة تقريبا مع 8 صواريخ بالستية لتضرب مراكز إستراتيجية وعسكرية وحيوية في عمق السعودية ، كان على رأسها ميناء جسر التنورة شرق المملكة ، إضافة إلى أهداف ومواقع عسكرية بمناطق الدمام وعسير وجيزان ، وبغض النظر عن نسبة نجاح صواريخ الباترويت الأمريكية ، وكتائب الدفاع الجوي البريطانية ، التي تم الاستعانة بها قبل شهور ، بعد فشل الأولى في مهمتها ، فالمؤكد أن مبدأ الردع الذي طوّفت به دورية القاذفات الإستراتيجية الأمريكية في فضاء الإقليم ، إذا لم يكن قد سقط من حالق ، فهو في الحد الأدنى قد أصابه جانب من التصدّع .

والحقيقة أنها ليست المرة الأولى خلال الأسابيع الأخيرة ، فقد كان أول استخدام عملي لمبدا الردع هو قيام الطيران الحربي الأمريكي مع صعود الإدارة الجديدة بسبع غارات متتالية على منطقة قريبة من ( البوكمال ) قرب الحدود السورية العراقية ، وقد تم تقديم مبرر أمريكي واحد لها ، وهو أنها تمت انتقاما لقصف قاعدة أمريكية في ( أربيل ) شمال العراق قبل عشرة أيام ، رغم أن المنطقة نفسها تعرضت قبل عشرة أيام أخرى سابقة على القصف في اربيل لمحاولة إنزال جوي باءت بالفشل ، شاركت فيها قوات أمريكية وإسرائيلية وبريطانية وألمانية ، وقد استبقها تمهيدا لها على مدى أسابيع عمليات قصف للطيران الإسرائيلي ، لكن الثابت في كل الأحوال أن العملية الأمريكية التي وصفت بأنها انتقاما لقصف قاعدة عسكرية أمريكية في أربيل بالصواريخ ، تلاها في اليوم التالي مباشرة قصف قاعدة أمريكية أخرى في العراق بأحد عشر صاروخا ، ولذلك إذا كان الأمر ثأرا فقد تلاه ثأر بثأر ودون رد ، وإذا كان تطبيقا وهو كذلك لمبدأ الردع ، فإن المبدأ بدوره إذا لم يكن سقط فقد أصابه جانب من التصدع .

إن ظاهر الصورة يعطي انطباعا بأن إستراتيجية الولايات المتحدة تسير في الشرق الأوسط في اتجاهين متناقضين في لحظة واحدة ، فبينما دفعت وكلاءها الأمنيين في الخليج إضافة إلى تركيا إلى صياغة خطاب مشترك ، ينص على أنهم ( قرروا) إنهاء الأزمة السورية ، أخذت في تنمية المخاطر في سوريا بمعدلات عالية ، سواء بإنشاء قواعد جديدة للجيش الأمريكي في ريف الحسكة الشرقي ، ونقل جنود ومعدات جوا أو في قوافل برية عبر الحدود السورية العراقية ، وسواء باستنهاض الإرهاب من جديد ودعمه خاصة في محافظتي حمص ودير الزور ، مع ظهور مقدمات ( الخوذ البيضاء ) في نفس المحافظتين ممزوجا بحديث عن إعادة توظيف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية من قبل أمريكا وفرنسا .. الخ .

وبينما يتباكى أركان الإدارة الأمريكية يوميا على ما آلت إليه الأوضاع الإنسانية في اليمن ، إلى حدود غير مسبوقة ، يستخدمون كل أسلحتهم للحيلولة دون سقوط مأرب في أيد الجيش ، واللجان الشعبية ، رغم أنها أقرب ما يمكن إلى السقوط ، ثم يقدمون مشروعا للحل السياسي لا يقدم حلا ، بقدر ما يحصّن الحصار والتجويع ويطيح بموازين القوى القائمة على الأرض ، ويسلخ اليمن من وحدة ترابه وهويته ، ويتيحه ملعبا مشتركا لكل صنوف الإرهاب والقوى الأجنبية الطامعة .

إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على توجيه العمليات التاريخية الكبرى في الإقليم ، ولذلك لابد من سنّ سكاكين جديدة ، للقيام بعمليات ذبح جديدة ، في مناطق التنشين المنتخبة لـ ( تركيز النيران ) وسواء أكان الأمر موصولا بسقف المحادثات الممتدة ، بين السعودية والإمارات والبحرين وإسرائيل ، لتشكيل حلف دفاعي كعضو إقليمي لحلف الناتو ، أو كان موصولا باستدعاء تركيا من جانب السعودية لإثقال موازينها المختلة في اليمن ، بصنوف من الإرهابيين ، يجري إعدادهم ، وبتواجد عسكري تركي مباشر ، بحري وبري ، في باب المندب ، وهو أمر ليس مقطوع الصلة بقنبلة سد النهضة ، ولا أمن قناة السويس ، ولا بإنعاش حضور جماعة الإخوان المسلمين ، كما أنه ليس مقطوعا بنبرة التودد التركية الناعمة لمصر ، التي أرى أن غايتها بعيدا عن كثير من حشو التفسيرات الإعلامية ، هو الحصول على اعتراف مصري بمشروعية دور إقليمي متضخم لتركيا إعلانا أو سكوتا .

هل نحن أمام إستراتيجية أمريكية تبدو ذات رأسين ، يتحرك كل منهما في اتجاه مناهض للآخر ، إن ذلك ليس إلا جانبا من عملية خداع نظر وإيهام ، فليس ثمة تسويات في الطريق ، وإنما صيغ ( تهدئات ) موقوتة في فاصل قصير ، ريثما يتم تجهيز المسرح ، وحشو البنادق .

من صفحة الكاتب على الفيس بوك