ماذا وراء التّصريحات المُفاجئة لوزير الخارجيّة المِصري دعمًا لسوريا وإخراج القوّات الأمريكيّة والتركيّة من أراضيها؟ وهل كان من قبيل الصّدفة صُدورها بعد فشل قمّة بوتين أردوغان في موسكو.. والاتّصال الهاتفي بين الرئيس الأسد والملك عبد الله الثاني؟ وما هي المُفاجأة الأكبر القادمة..!

3٬725

بقلم/ عبد الباري عطوان

عندما يلتقي السيّد سامح شكري وزير الخارجيّة المِصري بنظيره السوري فيصل المقداد على هامِش اجتِماعات الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في نيويورك، ويُؤكّد أنّ بلاده مِصر ستكون فاعِلةً في مُعاونة سوريا على الخُروج من أزمتها، واستِعادة موقعها ومكانتها في إطار الأمن القومي العربي، فإنّ هذا يعني عدّة أُمور:

الأوّل: استِعادة سوريا لعُضويّتها في جامعة الدول العربيّة باتت وشيكة جدًّا، على اعتِبار أنّ العقبة المِصريّة الرئيسيّة التي كانت تحول دُون هذه العودة قد أُزيلت.

الثاني: أنّ العُلاقات المِصريّة التركيّة ليست على ما يُرام، وأنّ المُصالحة بين الجانبين ما زالت مُتعثّرة رغم الاجتماعات الثنائيّة، والزّيارات السياسيّة والدبلوماسيّة المُتبادلة في الفترة الأخيرة.

الثالث: أنّ هذا اللّقاء الفريد من نوعه على هذا المُستوى، ولأوّل مرّة مُنذ بداية الأزمة السوريّة قبل عشر سنوات ما كان أن يتم دون وجود ضُوء أخضر أمريكي مُباشر أو غير مُباشر.

الرابع: أنُ الإدارة السوريّة هي التي انتصرت في مُواجهة الحِصار ومُحاولات عزلها وإضعافها من خِلال الصّمود على الارض، وفي ميادين القِتال، وثبات قِيادتها، وانتِمائها إلى المُعسكَر الصّحيح، أيّ محور المُقاومة.

الخامس: الانسِحاب العسكري الأمريكي من شرق سوريا بات أمْرًا حتميًّا، ومسألة وقت فقط، نتيجة انهِيار المشروع الأمريكي برمّته في منطقة الشرق الأوسط، خاصَّةً بعد الهزيمة والانسِحاب المُهين من أفغانستان.

السادس: جميع الرّهانات الأمريكيّة والعربيّة الخليجيّة على تغيير النظام السوري سقطت، رُغم مِئات المِليارات التي جرى توظيفها من أجل تحقيق هذا الغرض.

السابع: استِعادة سوريا لعُضويّتها في منظمة الإنتربول الدوليّة، الأمر الذي لا يُكَرِّس شرعيّة سُلطتها فقط، وإنّما يُعطيها القُدرة لمُطاردة مُجرمي الحرب الذين ارتكبوا جرائم في حقّها، واعتِقالهم وتقديمهم للعدالة.

الثامن: التّغيير الجذري في العُلاقات الأردنيّة السوريّة، وفتح معبر جابر الحُدودي بين البلدين، والاتّصال الهاتفي الذي جرى للمرّة الأولى بعد قطيعة استمرّت عشر سنوات ممّا يعني أنّ الباب سيكون مفتوحًا لعودة تجارة الترانزيت، والصّادرات السوريّة إلى دول الخليج التي أعاد مُعظمها عُلاقاتها الدبلوماسيّة مع دِمشق، وبدء معركة إعادة الإعمار.

اللّافت أنّ هذا الانفِتاح السُياسي والدّبلوماسي المِصري بعد الأردني، على سورية يأتي بعد فشل لقاء القمّة التركي الروسي قبل أسبوع في موسكو، وتدهور العُلاقات بين مصر والولايات المتحدة، بعد طرح المبعوثين الأمريكيين الزّائرين للقاهرة، وآخِرهم جيك سوليفان موضوع انتِهاكات حُقوق الإنسان في مِصر.

المسؤولون المصريّون، والسيّد شكري وزير الخارجيّة، يختارون كلماتهم بعنايةٍ شديدةٍ للغاية، ومُطالبة الأخير بانسِحاب جميع القوّات الأجنبيّة من سوريا، في إشارةٍ مُباشرةٍ إلى التركيّة والأمريكيّة منها، يعني أنّ التّحضيرات جارية، وبشَكلٍ مُتسارع، من قِبَل الجيش العربي السوري لاستِعادة السّيادة السوريّة على منطقة إدلب، بعد تَراجُع الحُكومة التركيّة عن التِزاماتها باتّفاق سوتشي وأبرزها الانسِحاب الكامِل، وإنهاء سيطرة الجماعات المُسلّحة المُصَنَّفة إرهابيًّا منها.

الخبر الأبرز في القمّة العربيّة القادمة هو وجود مُمثّل سورية جالسًا على مقعد بلاده “الشّاغر” فيها طِوال السّنوات العشر السّابقة، ومن حُسن حظ سورية أنّ هذه القمّة ستُعقَد في الجزائر الدّولة التي لم تتَخلّ عنها مُطلقًا، ووقفت بقُوّةٍ في خندقها، وعارضت كُلّ المُحاولات لعزلها، وهو موقف ليس مُشَرِّفًا فقط، وإنّما مُكلفًا في الوقت نفسه، ولا يُمكِن أن تتحمّله إلا دولة في حجم الجزائر.

مرحلة ما بعد أمريكا تتبلور بشَكلٍ مُتسارع في منطقة الشّرق الأوسط، فها هي المحروقات الايرانيّة تتدفّق إلى لبنان عبر ميناء بانياس السوري، وها هي دولة الاحتِلال الإسرائيلي تستجدي الحِماية، والأموال الأمريكيّة في مُواجهة صُعود القُوّة الصاروخيّة لإيران وأذرعها العسكريُة الحليفة، وها هي المُقاومة الفلسطينيّة تَخرُج فائزة من صِراع العُقول والإرادات، سواءً بإبداع عمليّة نفق الحُريّة، أو الانتِصار الكبير لمعركة “سيف القدس”.

سوريا الصّمود، والنّفس الاستِراتيجي الطّويل، وسياسة القبض على الجمر، عائدةٌ وبقُوّةٍ، تنتزع هيبتها، ومكانتها، بقُوّة الانتِصارين السّياسي والعَسكري.