قمة الانقلاب الإستراتيجي في الإقليم (ج1)

3٬148

أبين اليوم – تحليلات

بقلم / أحمد عز الدين

يعتريك إحساس بالمهانة وأنت تتابع مضطرا بعضا من هذه التعليقات ، التي تجري على ألسنة أكثر الوجوه حضورا مستداما على شاشات الإعلام المصري ، حول القمة الخليجية ( قمة العلا ) فقد يبدو لك أن مصر قد غدت بدنا بغير قلب ، وأن عليها أن تصمت دون تعليق على ما يبدو جحودا بدورها ، وطمسا لرسالتها ، واستلابا لأمنها ، ونكرانا لما حملته فوق أكتافها ، وهو فوق الطاقة والاحتمال .

لقد بذل أحد مقدمي البرامج الرئيسية وهو رئيس لتحرير إحدى الصحف ، جهدا محموما ليروج لرسالة زائفة عن نتائج أعمال القمة ، فقد عزا بعض المعلومات التي انتشرت في بعض وسائل الإعلام إلى غياب البيان الكامل للقمة ، الذي انفرد بحضوره معه ، مدللا على مكانة مصر كما انعكست في البيان بفقرة يتيمة ، اختصها به متجاهلا 116 فقرة أخرى تضمنها البيان ، معتبرا أنها مجرد محددات للسياسة الخارجية لدول الخليج التي لا شأن لمصر بها ، وهو أمر أحسب أنه يخرج من حدود التجهيل والتزييف ، إلى حدود التبعية الفكرية والإعلامية .

لماذا ؟

أولا : من واقع البيان الكامل نفسه ، فإن الفقرة المذكورة التي تناولت شيئا عن مصر ، جاء ترتيبها في فقرات التقرير برقم 98 ، وقد استبقتها 97 فقرة ، لم تخلو دولة في الإقليم أو حول محيطاته الممتدة غربا وشرقا من ذكرها ، بما في ذلك حتى الإشادة والترحيب بتمدد الدور البريطاني الاستعماري عسكريا في أنحاء الإقليم ، وإذا كان التقرير من أوله إلى آخره يتضمن 117 فقرة ، فإن وضع مصر في هذا الترتيب لا يعطي انطباعا إيجابيا بالمرة ، لما يراد لمصر وزنا ودورا ومكانة .

ثانيا : أن الفقرة اليتيمة المذكورة نفسها ، التي تم الاستدلال بها على ما منحه البيان لمصر من إشادة ودعم واستقرار ، تضمنت في صلبها إشارة إلى الموقف من سد النهضة ، وهو موقف مجرد من أي دعم ، ومناهض لأي استقرار ، فلم يغسل النص يد دول الخليج من أي مسئولية قومية تجاه موضوع السد فحسب ، بل غسل ألسنتها أيضا ، فقد ساوى بين أطراف الأزمة ، بين الحقوق التاريخية الثابتة وبين العدوان عليها ، ولم يجد ما يشيد به غير أدوار مبهمة للحل ، لا تبدو قائمة ولا هي موصولة به أو بها .

مع ذلك فإنني أريد أن أبدأ من النظرة الكلّية قبل الدخول في التفاصيل ، أي من ( تقدير الموقف ) الخاص بالقمة كما أراه ، وهو أن القمة تمثل توجها مدروسا لاستكمال عملية الانقلاب الاستراتيجي الشامل في أوضاع الإقليم بمراحلها المتتالية والتي بدأت بضرب العراق ، وأنها تمثل تحديدا قمة الإستراتيجية الغربية المضادة للإقليم ، وليس في ذلك أي قدر من المبالغة أو المزايدة ، رغم كل تلك التعليقات والتحليلات والبيانات البائسة التي سعت بسوء نية أو بسوء فهم أو بهما معا ، إلى تسكين القمة في إطار دائرة محدودة مغلقة هي ( المصالحة ) مع قطر .

ربما لذلك يبدو إجلاء التوجه الإستراتيجي للقمة أكثر وضوحا وتحديدا مما تضمنته المفردات الصريحة في بيانها ، إذا رصدنا بعضا من البنود الهامة التي اختفت من البيان ، أو   (المسكوت عنه ) في البيان بلغة منهج آخر :

أولا : لم يشر البيان لا بالتصريح ولا بالتلميح ولا بالرمز ، إلى الاحتلال والتواجد التركي في أي من الدول العربية ، فهو لم ير أثرا له في ليبيا ، ولا قواعد له في شمال العراق ، وكما تعامى غن قاعدة عسكرية تركية جرى مضاعفتها مساحة وجنودا مرتين في قطر ، فقد غض البصر تماما عن قواعد الاحتلال العسكري التركي في سوريا ، سواء في غرب الفرات أو في شرقه .

ثانيا : لم يتضمن البيان إشارة واحدة ولو مضمرة إلى نزعة التوسع التركي في الإقليم ، سواء باستخدام القوة العسكرية ، أو التهديد أو التلويح باستخدامها ، بما في ذلك التوسع في توظيف واستخدام التنظيمات والعناصر الإرهابية وصولا إلى دوره في إثارة التوتر وإشعال فتائل المواجهات العسكرية في شرق المتوسط .

ثالثا : عندما أدان البيان الإرهاب فقد عمد إلى أن يدين إرهابا لا اسم له ، ولا كيان له ، ولا مكان لتواجده ، فهو إرهاب فضفاض ، ولهذا فالمسمى الوحيد الذي يمكن أن يطبّق عليه الوصف ، وتتم بشأنه الإدانة هو المجموعات الإيرانية المسلحة التي تساند الجيش السوري في مواجهة الفصائل الإرهابية هناك ، أما هذه الفصائل الإرهابية ذاتها التي تتشارك في تدمير سوريا وتحطيم كيانها وقتل شعبها ، سواء جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام أو غيرها ، فلا مسمى لها ولا توصيف ولا تحديد ولا إدانة .

والأمر نفسه فيما يتعلق بالفقرة اليتيمة التي نطق البيان بها باسم مصر ، فلا فصائل إرهابية قرب حدودها الغربية ، ولا إرهابا منظما تواجهه في شبه جزيرة سيناء ، لا مكانا ولا اسما ولا كينونة ، ربما خشية أن تُستدعى قطر أو تركيا أو غيرها إلى جملة مفيدة في حدود التحديد أو الإدانة .

رابعا : سكت البيان سكوتا مطلقا عن جماعة الإخوان المسلمين ، فهذا الكيان المسمى بهذا الاسم لا وجود له ، ولا حضور له في البيان ، وكأنه ليس جزءا عضويا من دراما العنف والإرهاب باتساع الإقليم وعمقه .

ولهذا لا تستطيع أن تجد تفسيرا خارج هذا النطاق لصدور بيان تركي مؤيد لبيان القمة ، ولصدور بيان تال من حماس مؤيد له ، بل وفي صدور بيان من جماعة الإخوان المسلمين باستعدادها لمصالحة مشروطة مع الدولة المصرية ، وكأن الطريق قد أصبح مفتوحا أمامها بالقوة الخليجية التركية .

خامسا : ليس ثمة اشتباك لفظي واحد في البيان مع كائن مازال يتنفس اسمه الجامعة العربية ، باعتبارها التعبير المؤسسي عن النظام الإقليمي العربي ، بل ولا إشارة حتى إلى هذا النظام مع تغييب الجامعة ، فالبيان لم يتجاهل فقط الجامعة العربية ، ولكنه تجاهل كليا النظام الإقليمي العربي ، وكأن المجموعة الخليجية قد أصبحت وحدها الوريثة الوحيدة لهذا النظام وبديله ومرجعيته الحاكمة ، وضابط توجهاته ، وما دون ذلك فعليه أن يتقبل راضيا تهميشه وإلغاء دوره ، والشطب على مكانته .

لماذا يبدو الخليج إذا بقمته وبيانه كأنه غدا كوكبا منفردا يستدير في اتجاه آخر ؟

هل ذلك ما ينطق به ما أُ­­­سمي المصالحة مع قطر ، لا أحسب الأمر كذلك ، وحتى إذا اعتبرنا كلمة المصالحة ، هي تعبير جانبي عن الحالة ، فإن المصالحة جوهريا ليست مع قطر ، وإنما مع تركيا ومعها كل توابعها ، بما في ذلك قطر ذاتها ، في إطار المرحلة الأخيرة في الإستراتيجية الأمريكية .

 المصدر : من صفحة الكاتب على الفيس بوك