هكذا خضع ملك البرتغال للثوار في سقطرى..!

5٬030

أبين اليوم – مقالات وتحليلات

بقلم/ عبدالله عبدالسلام

سقطرى جزيرة يمنية، من أروع الجزر في العالم، بسكانها ولغتها وجمال مناظرها الخلابة، وبأشجارها وحيواناتها النادرة، وصلابة أهلها اللذين كانوا بالمرصاد لكل غازِ طامع بجزيرتهم، ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى، من التاريخ القديم حتى يومنا هذا، ولكننا سنسلط الضوء على الغزو البرتغالي للجزيرة، والذي لم يستمر طويلاً، في بداية القرن السادس عشر الميلادي..
سقطرى موقعها وسكانها

قبل التعرف عن الغزو البرتغالي للجزيرة، لابد أن نعرف أهميتها الاستراتيجية، حيث تقع في نهاية خليج عدن، وتشرف على القرن الأفريقي، وغرب المحيط الهندي، وتبلغ مساحتها 3650 كم، وتقع في أرخبيل يضمها ويضم جزراً صغيرة، هي عبدالكوري، سمحه، درسه، وكراعيل فرعون وحبال، عدد سكان الجزيرة حسب آخر تعداد سكاني عام 2004م (175,020) ألف نسمه، وعاصمتها حديبو، وتعد أكبر جزيرة في الوطن العربي، ولها أهمية استراتيجية كبيرة..

فهي تحظى باهتمام الدول التي كان لها أطماع في منطقة الجزيرة العربية ومياه خليج عدن، باعتبارها من أهم طرق الملاحة وإحدى المحطات التجارية البحرية، و المواضع التي لها أهمية عسكرية..

وتقع الجزيرة في المحيط الهندي، حيث تتواجد في منطقتها ثروات معدنية مهمة يأتي في مقدمتها الفوسفور والأملاح والتركزات المعدنية الأخرى، إضافة إلى الثروة البحرية التي تأتي في مقدمتها السمك بأنواعه، والحيوانات والنباتات المختلفة.

وجزيرة سقطرى كبقية الجزر اليمنية الأخرى، تمثل امتداد جغرافي لليمن، يحكمها مبدأ المجاورة والإرث التاريخي، وأصول السكان، وهي تقع ضمن السيادة الوطنية لليمن، على جزرها ومياهها.

الصراع الدولي على المحيط الهندي:

هناك أحداث سبقت قيام البرتغاليين احتلال جزيرة سقطرى عام 1507م، لا بد أن نستعرضها لأهمية تلك الأحداث، التي شكلت الصراع الدولي على المحيط الهندي، والبحار العربية المحاذية له، وكانت جزيرة سقطرى جزء من هذا الصراع..

منذ نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي، دخل البرتغاليون كأول دولة أوروبية إلى المحيط الهندي واحتلوا سواحله، واكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح، الذي حرم المدن المطلة على السواحل العربية في البحر الأحمر من العوائد المالية مما ساهم في ضعف مراكزها..

أما بالنسبة لموقف اليمن من التوغل البرتغالي في السواحل والجزر اليمنية، فقد كان ضعيفاً حسب توصيف المؤرخ اليمني المصري الأستاذ الدكتور سيد مصطفى سالم رحمه الله، بسبب انشغال حاكم اليمن آنذاك السلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري، بحروبه الداخلية من أجل توحيد البلد تحت سيطرته، بالإضافة إلى افتقاره أسطول بحري قوي مزود بالأسلحة النارية..

كذلك خاضت البرتغال حروباً كثيرة مع دولة المماليك البحرية في مصر، والتي خسرت فيها الأخيرة أمام قوة البرتغال في معركة ديو البحرية عام 1509م، وبعد دخول السلطان العثماني سليم الأول مصر عام 1517م، أصبح أمامه ضرورة الحفاظ على الممرات المائية في البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي ما وضعها في صراع مع قوة كبيرة وهي البرتغال..

سقطرى قبيل الاحتلال:

ينقل لنا الكاتب الروسي فيتالي ناومكين في كتابه (سقطرى جزيرة الأساطير) عن الرحالة العماني أحمد بن ماجد الذي كان له دور في وصول البرتغال إلى السواحل الهندية، بأن سقطرى قبل الأحتلال البرتغالي كانت تسيطر عليها قبيلة بنو عفرار المهرية التي كانت تسكن مدينة قشن على ساحل اليمن الجنوبي..

بسبب ما ذكر سابقاً عن الأهمية الاستراتيجية لجزيرة سقطرى، التي أدركها آنذاك حاكم البرتغال مانوئيل الأول، تزامناً مع دخولهم المحيط الهندي، وضرورة حصولهم على مركز تجاري وعسكري يأمن لهم الإشراف على المحيط وعلى السواحل العربية والقرصنة عليها بين الفينة والأخرى، أمر الحاكم البرتغالي نائبه فرانسسكو دي ألميدا بالإستيلاء على جزيرة سقطرى، والتمركز فيها للاستفادة من إمكانياتها، كالمرافئ الجيدة والتزود باحتياطات المياه..

إلى جانب ذلك يتضح لنا من كتابات ناومكين، أن الملك البرتغالي أمر كذلك بإيفاد قساوسة إلى الجزيرة، لفتح دير فيها ودعوة السكان لاعتناق الديانة المسيحية، برغم وجود سكان مسيحيين من قبل هذا الغزو..

وتروي لنا المصادر التاريخية، أن الأميرال البرتغالي تريستان دا كونيا، انطلق في 5 إبريل عام 1506م برفقة 14 سفينة حربية من مرفأ لشبونة عاصمة البرتغال قاصدة الهند، ولكن قبل ذلك كان عليها احتلال سقطرى، وتبعه معاونة الفونسو دي البوكيرك على رأس 6 سفن أخرى..

عشية الغزو:

وفي بداية 1507 وصل القائد البرتغالي تريستان إلى الميناء الرئيسي لجزيرة سقطرى آنذاك “سوكو”، وكانت الصدمة له عندما رأى قلعة كبيرة مطوقة بأسوار مدعومة بأبراج حديدية، تابعة لحكام الجزيرة من المهريين بقيادة الحاج إبراهيم نجل سلطان القشن ومعه 130 مسلحاً، كانت أدواتهم تقليدية من الرماح والسيوف والنشاب والحجارة مقارنة بالأسلحة النارية، التي كان يمتلكها البرتغال في تلك الفترة، حاول تريستان الاتفاق مع حاكم القلعة ولكن باءت كل محاولاته بالفشل، وقرر حاكم القلعة ومن معه بعدم التعامل بأية حال من الأحوال مع الغزاة الغرباء..

عندئذ قام القائد البرتغالي بالإعداد والتجهيز لمهاجمة القلعة وإخضاع القائد العربي ومن معه، فأرسل قائده الفونسوا البوكيرك بمحاصرة القلعة من مكان آمن ومهيئ بالنسبة للأجواء التي كانت مضطربة وغير مناسبة للنزول على سواحلها، ولذلك اضطر البوكيرك النزول عند خليج هادئ يسمى بالبستان ولكنه عاد إلى مكانه الأول بعد هدوء الأجواء ونزل بالقرب من القلعة، ومن جانبه نزل الشيخ إبراهيم ومعه 100 من رجاله لقطع الطريق عن البرتغاليين عند حواجز الخوازيق في منطقة تسمى الخور، وأمر بعض رجاله حماية القلعة..

وجرت الاشتباكات بين الطرفين برغم الفارق الكبير بالأسلحة والعتاد والعديد وتشابك القائد العربي مع أحد قائدة البرتغال ويدعى ألفونسو نورونيا بالسلاح الأبيض وكاد أن يلقى مصرعه على يد القائد العربي إلا أن القائد ألفونسو البوكيرك باغت الشيخ إبراهيم وقتله، وهنا حدث ما لم يكن متوقع في تاريخ الحروب العسكرية إذا استمات الجنود في حماية الجزيرة والقلعة بعد استشهاد قائدهم ولم يضعفوا أو يفروا كما يحدث في أغلب المعارك عند مقتل قائدهم.

احتشد الجنود العرب وتحصنوا داخل القلعة بعد مقتل قائدهم، وصدوا كل محاولات البرتغال في دخول القلعة برغم الأدوات التي جلبوها مثل القنابل الكروية والمرفاع والفؤوس التي لم تغنيهم شيء في ترجيح الكفة لصالحهم، في المقابل استخدم الجنود المهريين الحجارة ورجموها من أعلى القلعة حتى أصيب قائدهم ألفونسوا دي البوكيرك وأغمى عليه لكنه صمد وأمر جنوده بتشديد الحصار حتى تمكنوا في النهاية من دخول القلعة ولجأ المهريون الى البرج الرئيسي المحصن، وبعد معركة حامية الوطيس كما يصفها لنا الكاتب الروسي فيتالي ناومكين تمكن البرتغال بعد استخدامهم السلالم وكل أدوات الحصار من دخول البرج بعد كل التضحيات التي قدمها المهريين في سبيل الحفاظ على قلعتهم وعزتهم وكرامتهم.

الانتصار الساحق:

ولكن المعركة لم تنتهي هنا فبعد فرار الجنود المهريين من القلعة إلى الجبال صاروا يحرضون أهالي الجزيرة قاطبة في شن الغارات على القلعة وعلى الحامية البرتغالية ومما ساعدهم على ذلك هي المعاملة القاسية التي اتخذها البرتغال ضد الأهالي ومنها إجبارهم تزويد الحامية البرتغالية المؤون والغذاء، وكذلك رحيل أغلب القائدة العسكريين من الطراز الأول إلى الهند وعمان..

وعند سماع القائد البوكيرك بهذه الحملة الغاضبة من قبل الأهالي عاد إلى الجزيرة وأعلنها حرب عليهم وتمكن من إخماد ثورتهم وغادرها بعد اطمئنانه على وضع الحامية..

وفي عام 1511 شنت قبائل المهرة بقيادة أبناء الزبيدي خميس وعمر حملة عسكرية قوية على الحامية البرتغالية حققت بعد معارك شديدة الانتصار عليها ودحرهم من القلعة التي سماها البرتغال قلعة القديس ميكائيل، وبناء على هذه المقاومة الشديدة وضع قرار سحب القوات البرتغالية على البلاط الملكي وبالفعل أصدر الملك أمره بسحب جنوده من سقطرى وبذلك تحقق النصر للسقطريين والمهريين معاً..

 

المساء برس