من تركيا إلى الإمارات فالرباط.. من جفّف الأقصى من طوفانه.. “تحليل“..!

7٬995

أبين اليوم – مقالات وتحليلات 

بقلم- أسامة وحيد – الجزائر

وكما قالها أحدهم ذات معركة وذات سياط وعبودية مقيتة، كانت مساحتها أمريكا الحرية وكان مستعبدها الثائر مارثن لوثر كينغ: “حين تنتهي المعركة لن نتذكر كلام أعدائنا، بل صمت أصدقائنا”، كما قالها ذلك الذي انتهى مضرجاً بدمائه أمام أنظار العالم، بجرم مرافعته ودفاعه عن حريته في بلد يدّعي اليوم ساسته أنه رمز للحرية والديمقراطية، فيما بوارجهم تغزو شعباً أعزل إلا من إيمانه.

وهكذا فإن المشهد بكل تفاصيله في غزة القصف والتهجير والمحرقة الممنهجة، لسان حاله من حال لوثر كينغ، إذ العلة ليست في كلام ولا في رصاص ومقاصف عدو، فتلكم عقيدته وهدفه ومخططاته، بل في صمت وتآمر من كانوا بأمسهم القريب يتاجرون بفلسطين والقدس وغزة وحليب أطفالها، في المحافل الدولية، متقمصين دور الصديق والمدافع عن شرف الأم..

وحين جد الجد انقسموا بين صامتين جبناء أو المباركين والمتآمرين قصفاً، وفي النهاية، فإن التاريخ، سيجل بين صفحات العار، أن الخيانة، صمتاً كانت أو تآمراً، هي من جففت الأقصى من طوفانه الذي جرف الكيان الصهيوني وعراه من كل أوهام القوة، لكنه في نهاية المطاف، وقف عاجزاً أمام الخذلان وصمت الأصدقاء، لتدفع غزة، ثمن أن يكون للأقصى طوفان، جرف العدو لكنه نسي أن يغسل قبل ذلك، باب الدار من متخاذلي ومتآمري الديار.

أوردغان.. من مسرحية مرمرة إلى واقع السفارة هي العمارة..!

قبل أن يكشف عن وجهه الحقيقي، كأي تاجر دين حيثما مالت الريح ومصلحته مالت “لحيته” ومواقفه الانكشارية المتجذرة الجينات، لم يكن لأحد أن يتصور أن ذلك الذي نفخته حادثة منتدى دافوس السينمائية سنة 2009، يوم رفض مصافحة شيمون بيريز واصفاً إياه بقاتل أطفال غزة، ليستقبل إستقبال الأبطال ليس فقط في تركيا ولكن في الشارع العربي كله، سيقف صامتاً ومتلككاً أمام محرقة غزة التي تاجر بأطفالها في منتدى دافوس، وجعل منها بضاعة انتخابية في الشارع العربي، وذلك طيلة سنوات من النفخ الإعلامي، الذي جعل منه زعيماً، لم يكن ينقصه إلا إعلان البيعة ليكون خليفة المسلمين المرتقب، ليأتي طوفان الأقصى جارفاً ليس فقط خرافة جيش عدو لا يقهر، ولكن، خرافة ورقة تدعى أردوغان، عجنته وسوقوته لعبة المخابر الغربية قبل الإخوانية، للعالم العربي والإسلامي على أنه المهدي المنتظر الذي سيكون حصن الأمة، إذا ما ناد مناد “وامعتصماه”..

لكن غزة اليوم، التي رفعت أسهمه في منتدى دافوس وفي حادثة سفينة مرمرة هي من عرّت محرقتها وجه النفاق والخذلان والتمثيل الذي مورس ضد شعوب الأمة العربية عموما وضد مواطني غزة خصوصا.

أردوغان، وفي موقف مخزٍ، يحمل عنوان الخذلان إن لم يكن التآمر، اكتفى بدور المتفرج أو شاهد الزور الذي بدلاً من أن يعرّي على ساعده ويمارس ثورته أو على الأقل بطولاته الدونكيشوتية كعادته ـ يوم كان يخطب ود غزة والأقصى والقدس ـ راح يرافع للوساطة ولتحميل طرفي النزاع مسؤولية دماء المدنيين، مساوياً في ذلك بين قاصف يُهجر ويمحق ويسحق شعباً أعزل بهدم بيوته فوق رأسه ورأس أطفاله، وبين مقاومة كان بأمسه يدّعي الدفاع عنها، وحين تحولت إلى طوفان أقصى، حمّلها مسؤولية ما تتعرّض له ـ غزة ـ في إدانة مبطّنة لها بأنها هي السبب..

فيما الحقيقة أن صمت من كان يدّعي الصداقة والنخوة والدفاع عن فلسطين هو من شجّع الجلاد على إرتكاب أفظع وأشنع الجرائم البشرية أمام أنظار صاحب ثورة مرمرة التي انتهت إلى واقع السفارة في العمارة.

حتى أردوغان اليوم، ليس إلا صورة من جندي انكشاري قديم، كان يحكم أراضي عربية بإسم خلافة لم تكن إلا لجمع “الإتاوات” والضرائب، وحين جد الجد، وانتهى الجندي الانكشاري إلى محطة الرجل المريض أمام قوة الغرب، سحب رايته تاركاً الأوطان العربية، أمام مصير استعمارها في صفقة إسطنبول مقابل العالم العربي كله..

طوفان الأقصى لم يفعل شيئاً سوى أنه أسقط الأقنعة عن مسمى الأصدقاء والمتاجرين بقضايا الأمة العربية والإسلامية، لذلك فموقف أردوغان، ليس إلا صورة بائسة عن طعنة ظهر ممن ظنته غزة حليفها لكنها في النهاية، ستذكره أنه كان الصامت الذي باعها يوم استقبل رئيس الكيان الصهيوني إستقبال الفاتحين في عاصمته ليفتح معه صفحة على حساب الجميع، وطبعاً، صفحة لم تلغ فقط غزة ولكنها خانت سفينة مرمرة، ومن يبيع أهله فلن يشتري غيره؟.

الإمارات أو خنجر الخاصرة الإبراهيمية..!

الرقم الثاني في معادلة تجفيف الأقصى من طوفانه، ليس إلا دكان أبو ظبي، حيث إمارات آل نهيان، التي لم تكن في سبعينيات القرن الفارط إلا عنواناً للخواء، تحولت إلى عاصمة اقتصادية عالمية في ظرف وجيز، فسره البعض بالمعجزة الخليجية، فيما تسارع الأحداث والتحولات السياسية، كشفت أنه لا شيء يأتي صدفة، وأن صناعة الإمارات بتلك الحظوة والحضور الاقتصادي، لم يكن إلا مقدمة لقادم شرق أوسطي أنهى العراق وسوريا واليمن بكل تاريخهم وأزاح مصر العريقة، لتكون الواجهة ليست الاقتصادية فقط، ولكن السياسية..

إمارة خلقت ونفخت من عدم، ولو أجرينا مقارنة بسيطة بين ظاهرة أردوغان وظاهرة الإمارات، لوجدنا أن النافخ واحد، وأن المخابر ذاتها التي “عملقت” أردوغان هي ذاتها التي جعلت من الإمارات قطباً اقتصادياً وسياسياً بناطحات سحاب أعمت الأمة عن خلفيات القادم، الذي لم يكن إلا “إبراهيمية ” معابد لآلهة متعددة، جاءت على خلفية تطبيع، أصبحت فيه الإمارات، عنواناً لسلام الأديان وسلامة اليهود والكيان الصهيوني.

غزة اليوم حيث المحرقة أمة، والتي تاجرت بها إمارات آل نهيان منذ تسعينيات القرن الفارط تحت غطاء الكرم والعطاء، أسقطت آخر أوراق التوت من على عمالة “الإمارة” في العمارة، حيث لا فرق بين “السفارة” والإمارة، في مسرحية آل نهيان، وخاصة بعد الموقف الفاضح والمساند من ساسة أبوظبي لخم الكيان الصهيوني، ووقوفهم ـ وليس صمتهم ـ مع ما يسمى المدنيين الإسرائيليين وكذا حق الكيان الصهيوني في الدفاع عن نفسه..

وهي الرؤية ذاتها مع من صنع الإمارات أو “شيكاغو في صحراء الخليج ليطلق عليها إسم إمارات آل نهيان كما صنع شيوخها بدءاً من مؤسسها الشيخ زايد وانتهاء بالمسمى صاحب السمو أو “السموم” محمد بن زايد، لتكون النتيجة أن خنجر الخاصرة اليوم، ليس إلا إمارة في العمارة.

“المخزن” أو الوجه الآخر للمقصفة..!

ثالث رقم في معادلة تجفيف الطوفان من أقصاه، هو الموقف المخزني الرسمي، وعكس الشعب المغربي البسيط الذي تحدى إرادة العمالة والخيانة والتطبيع وأعلنها زحفاً شعبياً ضد مخزن الخنوع والتصهين في مسيرات جابت شوارع المملكة، ليس فقط دفاعاً عن غزة ولكن حفظاً لبقية من ماء وجه “المغاربة” الشرفاء.

قلنا على العكس من ذلك، فإن نظام المخزن، يبقى وصمة العار التي لوثت ليس فقط سماء المملكة ولكن سماء بلدان المغرب العربي، وذلك لأن عرش الملك أضحى رمزا للتطبيع ومخزناً وتاجاً له..

الموقف المغربي من المحرقة في غزة، يحمل مفارقة عجيبة عن مَلِكٍ مريض وعاجز ينتحل صفة حاميها حراميها، فمن يدّعي أنه رئيس لجنة الدفاع عن القدس، هو نفسه من يحمي ظهر الكيان ويعرض على الجنين الصهيوني المشوه، خدماته لحمايته والدفاع عن صورته والأكثر من ذلك، لإعلان مساندته المطلقة له في محو معالم القدس كياناً ومكوناً.

ومن إنتهاكات الأقصى القديمة إلى مذبحة غزة، فإن مغرب المخزن، يبقى الوجه الآخر للمقصفة، كما يظل المعول الملكي التاريخي منذ نشأة مسمى عرشه العلوي، الذي يبرر ويساعد ويدافع عن حق الكيان الصهيوني في اجتثاث كل ما هو عربي بأرض فلسطين الأمة والعقيدة، وإذا كانت المحرقة آل صهيون فإن العار مخزن ومملكة..

خاتمة الدمار.. من جفف الأقصى من طوفانه؟

بالتوازي مع الأطراف الثلاثة سابقة الذكر والتي كان لها الدور الأكبر في حمل راية الخذلان والعمالة والتموقع إما جهراً أو سراً، مع كيان المذبحة، فإن ما قفزت عليه التحليلات، في ملحمة طوفان “الأقصى” أن الاستنفار الذي أحدثته عبارة الأقصى، وليست غزة في عنوان الطوفان، هي من دفعت، الكيان الصهيوني والأنظمة العربية من تحديد جغرافية المحرقة في رقعة غزة بالذات، وكل ذلك لتجعل من طوفان يحمل عنوان الأقصى كعقيدة ثبات وصلاة، عملية عسكرية معزولة تحمل عنوان غزة كجغرافية وكمعركة فصيل وليست معركة أمة.

وبين طوفان عقيدة وطوفان جغرافية، تم نقل المعركة من صراع وجودي يعني أمة إلى صراع جغرافي يعني تنظيماً هاجم كياناً، فيما الحقيقة أن الطوفان كان بإسم أمة وبإسم أقصى وبإسم قبلة تسمى القدس، وهي الخطة التي انتهجتها المسماة (إسرائيل) في حصر المعركة في غزة وأطفال ومباني ومساحة غزة كما اختارت لها تغطية ممثلة في أردوغان مرافع لحماية المدنيين وإمارات مؤيدة لـ(إسرائيل) في الدفاع عن مسمى أمنها ومغرب مصادر لاسم الأقصى والقدس..

خاتمة القول ومنتهاه، أن المقصفة الصهيونية لكل حياة بأرض المرابطين والصامدين، كان هدفها من اليوم الأول، تجفيف منبع الطوفان من أقصاه وربطه فقط بغزة، وذلك لحصره في صراع ثنائي بين جغرافيتين، جغرافية الكيان وجغرافية غزة، فيما الحقيقة الثابتة أنه صراع وجودي بين طرفين أحدهما يجب أن يختفي.

صراع عقائدي عنوانه أن الأقصى لا يقبل إلا صلاة واحدة، وأن فلسطين قضية عقيدة وليست قضية تراب، والسؤال العالق، في ملحمة : “حين تنتهي المعركة، لن نذكر كلام أعدائنا بل صمت أصدقائنا”، ومختزله: من نزع عن الأقصى طوفانه وسوق للرأي العام العالمي، على أن القضية برمتها مجرد معركة فصيل من غزة؟.

 

المصدر: الأيام News