عطوان: لماذا ستدفع إسرائيل ثمنًا باهظًا جدًّا بقصفِ قاعدةٍ للحشد الشعبيّ في العِراق؟ وكيف سيكون الرّد ومتَى؟ وما هو دَورُ العِناق الاستراتيجيّ بين “طُوفان الأقصى” و”الوعد الصّادق” في تغييرِ المُعادلات بالمِنطقة ومُستقبلها..!

6٬563

أبين اليوم – مقالات وتحليلات 

تحليل/ عبدالباري عطوان:

هُناك مَثَلٌ إنجليزيّ شهير يقول “إذا وقعت في حفرة، فإنّ أوّل شيء عليك فعله أنْ تتوقّف فورًا عن الحفر”، ويبدو أنّ هذا المثل ينطبق حرفيًّا على دولة الاحتلال الإسرائيلي التي وقعت في حُفرةِ قطاع غزة العميقة، وواصلت الحفْر بهجماتها “المَسعورة” في سوريا (القنصليّة الإيرانيّة)، وإيران (قصف أصفهان بمُسيّرات)، وفجر اليوم بهُجومٍ مُفاجئ على قاعدة “كالسو” للحشد الشعبي في مُحافظة بابل العِراقيّة، وتُشير كُلّ الدّلائل إلى أنها قد لا تستطيع الخُروج من هذه الحفرة مُطلقًا، خاصَّةً إذا نفّذت تهديداتها المُتَجَدِّدة باجتِياح مدينة رفح في القِطاع.

الرّد الإيرانيّ بقصف ثلاث قواعد جويّة إسرائيليّة في النّقب، إحداها قريبة جدًّا من مفاعل ديمونا النّووي، بحواليّ 360 مُسيّرة وصاروخ باليستيّ، ثأرًا لشُهدائها السّبعة من قادة الحرس الثوري في دِمشق، على رأسِهم العميد محمد رضا زاهدي، كان هذا الرّد نُقطة تحوّلٍ استراتيجيٍّ غير مُتوقّع إسرائيليًّا، جعل من إيران “دولة مُواجهة” مُباشرة، ولعلّ الهُجوم الإسرائيليّ فجر اليوم على قاعدة الحشد الشعبي في العِراق، سيدفع قوّات هذا الحشد، ليس للقيام بردٍّ عسكريٍّ انتقاميٍّ ثوريٍّ فقط، وإنّما انتقاله إلى الحُدود الأردنيّة والسوريّة مع فِلسطين المُحتلّة، واستِخدامها كقاعدةٍ لشنّ هجماتٍ في العُمُقِ الفِلسطينيّ المُحتل.

غزو أمريكا للعِراق، واحتِلاله عام 2003 الذي كلّفها أكثر من 6 “ترليون” دولار كان بتحريضٍ إسرائيليٍّ لمنع تحويل العِراق إلى دولة مُواجهة، وتدمير قوّاته العسكريّة، والقضاء على طُموحاته النوويّة، وتهيئة أجواء المِنطقة للتّطبيع العربيّ الإسرائيليّ، وتأسيس تحالف ما يُسمّى بـ”محور الاعتِدال” ضدّ إيران بزعامة تل أبيب، وبدعمٍ من الولايات المتحدة وإشرافها، وهذا ما يُفَسِّر استِهداف وتدمير سورية وليبيا واليمن تحت “ذرائع” الديمقراطيّة وحُقوق الإنسان.

هذه الضّربة الإسرائيليّة الصّاروخيّة المُباشرة لقاعدة الحشد الشّعبي في مُحافظة بابل ربّما تُؤدّي إلى تقويض كُل المُخطّطات الأمريكيّة الباهظة الثّمن في العِراق، واجتِثاث قواعدها على أرضه، وعودة العِراق إلى دوره القيادي كقُوّة مُواجهة للمشروع الإسرائيلي الأمريكي، فهذا الحشد الشعبي يملك مُسيّرات، وصواريخ، وحاضنة شعبيّة عقائديّة قويّة جدًّا، سياسيًّا وعسكريًّا، مدعومة بقوّة إقليميّة عُظمى صاعدة اسمها إيران.

المُقاومة العِراقيّة بدأت تطلّ برأسِها بقوّة، وتحتلّ دورًا بارزًا على خريطة المِنطقة الاستراتيجيّة في مُواجهة الاحتِلال عندما شنّت هجمات مُؤثّرة على أهدافٍ إسرائيليّةٍ بدأت بقصفٍ صاروخيٍّ على ميناء إيلات في فَمِ البحر الأحمر وخليج العقبة، وتطوّرت إلى قصفِ منصّات استِخراج الغاز الإسرائيليّة في حقل “كاريش” في المتوسّط، وانتقلت إلى ميناء حيفا، وقصف قواعد عسكريّة في هضبة الجُولان المُحتل.

تصدّي الصّواريخ الاعتراضيّة التّابعة للقواعد الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة الموجودة على الأراضي الأردنيّة للمُسيّرات والصّواريخ الباليستيّة الإيرانيّة التي كانت في طريقها لقصف القواعد الجويّة الإسرائيليّة في صحراء النّقب وإسقاط نسبة كبيرة منها، قد تكون الذّريعة لاختراق الحشد الشّعبي وقوّاته للأراضي الأردنيّة لتنفيذ هجمات ثأريّة ضدّ دولة الاحتِلال مُستَقبلًا.

بنيامين نتنياهو كان يُخطّط ومُنذ 10 سنوات على الأقل لتوريط أمريكا في حربٍ ضدّ إيران وأذرعها في المِنطقة، تحت ذريعة تدمير مُنشآتها النوويّة، ويبدو أنّ هزيمته في قطاع غزة الباهظة التّكاليف، والخسائر، بشريًّا وماديًّا ومعنويًّا، دفعته للمُغامرة بتوسيع دائرة الحرب، مُستَغِلًّا ضعف الرئيس الأمريكي جو بايدن، وخُضوعه، وحزبه، لهيمنة اللّوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.

“إسرائيل” تُواجه الآن خمسة جبهات إسلاميّة “عقائديّة” بزعامة إيران، الأولى “حزب الله” (في لبنان)، وأنصار الله (في اليمن)، والحشد الشعبي (العِراق)، وحماس والجهاد الإسلامي (قطاع غزة)، علاوةً على الحاضنة الأُم (إيران)، ولا نعتقد أنّ أمريكا ستخرج مُنتَصِرةً مهما بلغ حجم الدّعم الأمريكي العسكري والسياسي والمالي، فأمريكا التي انهزمت في أفغانستان، وتُواجه هزيمةً أُخرى وشيكةً في أوكرانيا، باتت تُواجه هزيمةً أكبر في الشّرق الأوسط انطِلاقًا من قِطاع المُعجزات في غزة.

إنّها الغطرسة الأمريكيّة الإسرائيليّة المُشتركة، والرّهان الخاسِر على أنظمةٍ عربيّةٍ فاسدةٍ مُسْتَسْلِمَةٍ، و”مضبوعةٍ” إسرائيليًّا وأمريكيًّا، نتيجةً للاعتِقادِ الرّاسخ والخاطِئ بأنّ هؤلاء هُم القاعدة، وغيرهم هُم الاستِثناء، وأنّ هذا الاستِثناء لن يجرؤ على الرّد على الهجمات الاستفزازيّة خاصَّةً في سورية والعِراق ولبنان واليمن.

“طُوفان الأقصى” الحمساوي، و”الوعد الصّادق” شقيقه الإيراني، سيُغيّران ليس وجْه مِنطقة الشّرق الأوسط فقط، بل وسيُؤرِّخان لنهاية العصر الأمريكي الإسرائيلي فيه وسيَرسُمان خريطةً جديدةً للعالم ومراكز القُوّة فيه.. العِراق عائد.. اليمن عائد.. فِلسطين عائدة.. ولبنان عائد.. وإسرائيل ذاهبة.. والأيّام بيننا.

المصدر: رأي اليوم