صحيفة “هآرتس“ تكشف الوجه الآخر للسجون الإسرائيلية.. آلاف الأسرى بين التجويع والتعذيب وتكسير عظام وتحرش جنسي..!
أبين اليوم – خاص
لم تعد الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية مجرد اتهامات تصدر عن المؤسسات الفلسطينية أو تقارير ترفضها تل أبيب بوصفها جزءًا من معركة الروايات؛ إذ أعاد تحقيق استقصائي نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية فتح ملف الأسرى الفلسطينيين من داخل المجتمع الإعلامي الإسرائيلي نفسه، ناقلًا شهادات عن التجويع الحاد، والضرب، والإذلال، وانتشار الأمراض، والحرمان من العلاج، في مشهد يضع منظومة الاحتجاز الإسرائيلية أمام أسئلة تتجاوز سلوك السجانين إلى طبيعة السياسات التي تحكم السجون، وحدود المسؤولية السياسية والقضائية عنها.
والأخطر في هذه الشهادات أنها تتحدث عن معتقلين فقد بعضهم نسبًا هائلة من أوزانهم، وعن أشخاص أُفرج عنهم دون توجيه اتهامات إليهم، بما يثير تساؤلات جوهرية حول قانونية استمرار احتجازهم والضمانات المتاحة لحمايتهم.
وتتضاعف خطورة القضية حين تتقاطع شهادات الأسرى مع بيانات الاعتقال الإداري، والقيود المفروضة على الرقابة المستقلة، والجدل حول تنفيذ القرارات القضائية المتعلقة بالغذاء والرعاية الطبية وزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
هنا لا يعود السؤال محصورًا في حقيقة ما يجري خلف أبواب الزنازين، بل يمتد إلى قدرة المؤسسات الإسرائيلية على التحقيق في الانتهاكات المبلغ عنها ومحاسبة المسؤولين عنها، وإلى مدى فاعلية القانون حين يكون المحتجز هو الطرف الأضعف، والجهة المتهمة بالانتهاك هي نفسها صاحبة سلطة الاعتقال والإدارة والرقابة.
فالقضية التي تطرحها شهادات الأسرى ليست مجرد اختبار لصورة إسرائيل أمام العالم، بل اختبار لمصداقية منظومة تدّعي الاحتكام إلى القانون، بينما تواجه اتهامات خطيرة بشأن حماية الحقوق الأساسية لمن يقعون تحت سلطته.
كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في تحقيق استقصائي نشرته الثلاثاء، عن شهادات ومعطيات تتعلق بانتهاكات واسعة بحق الأسرى الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية خلال السنوات الثلاث الماضية، في ظل اتهامات بتصاعد التجويع والتعذيب والإهمال الطبي وانتشار الأمراض، بالتزامن مع تشديد السياسات التي تشرف عليها حكومة بنيامين نتنياهو، ولا سيما وزارة الأمن القومي التي يتولاها إيتمار بن غفير.
وبحسب التحقيق الذي أعدّه هاجز شيزاف ونير حسّون، بلغ عدد الأسرى المصنفين أمنيين 9329 أسيرًا حتى سبتمبر الماضي، لم تُوجَّه لوائح اتهام سوى إلى نحو 16% منهم، فيما يخضع 34% للاعتقال الإداري دون تهمة، و34% للتوقيف على ذمة التحقيق، إلى جانب محتجزين تحت تصنيف “المقاتلين غير الشرعيين”.
وأشار التحقيق إلى الإفراج عن مئات الأسرى شهريًا، بينهم نحو خمسة آلاف خلال عام 2024، بعد انتهاء محكومياتهم أو فترات اعتقالهم الإداري، من دون توجيه لوائح اتهام إليهم، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الأسس القانونية للاحتجاز ومدى اتساقه مع الادعاءات الرسمية حول خطورة المعتقلين.
– شهادات تكشف التجويع والتنكيل والإهمال الطبي:
استند التحقيق إلى شهادات خمسة أسرى فلسطينيين أُفرج عنهم من سجون “مجدو” و“نفحة” و“كتسيعوت” و“عوفر” و“الدامون”، تحدثوا عن ظروف احتجاز قاسية، شملت نقص الغذاء، والاعتداءات الجسدية، والحرمان من العلاج، وانتشار الأمراض الجلدية، إلى جانب ممارسات مهينة خلال عمليات التفتيش والاقتحام.
وقال الصحافي علي سمودي، من جنين، إنه فقد نحو 60 كيلوغرامًا من وزنه خلال عام من الاعتقال الإداري دون تهمة، وأصيب بأمراض مزمنة نتيجة ما وصفه بالتجويع والإهمال الطبي وتناول أغذية فاسدة أو منتهية الصلاحية.
كما تحدث عن اعتداءات بالضرب، وإجبار الأسرى على التعري أثناء التفتيش، وإطلاق الرصاص المطاطي داخل الحمامات، مشيرًا إلى وفاة الأسير لؤي تركمان بعد تأخر تقديم الرعاية الطبية له، وفق روايته.
أما المعتقلة هبة علاوي، من الظاهرية جنوب الخليل، فقالت إنها فقدت 36 كيلوغرامًا خلال نحو خمسة أشهر من الاحتجاز في سجن “الدامون”، وتعرضت للضرب والصعق الكهربائي والرش بالغاز، إضافة إلى مضايقات جسدية خلال اقتحام الأقسام. وأفادت بأن الاعتداءات تسببت في اقتلاع أظافرها وكسر أسنانها وإصابتها بنزيف حاد في الرحم، إلى جانب حرمان الأسيرات من الفوط الصحية والمواد الطبية الأساسية.
وفي شهادة أخرى، قال الصحافي سامر خويرة، من نابلس، إنه فقد 22 كيلوغرامًا خلال تسعة أشهر من الاعتقال الإداري المرتبط، بحسب قوله، بعمله الصحافي. ووصف تعرض الأسرى للضرب والإذلال اليومي، مشيرًا إلى إصابته بكسر في ضلعين دون تلقي العلاج اللازم، فضلًا عن تفشي مرض الجرب وغياب الأدوية المناسبة، وإجبار المعتقلين على أداء التحية للسجانين تحت التهديد.
كما تحدث الناشط ربيع أبو نعيم، من بلدة المغير شمال شرقي رام الله، عن فقدانه 15 كيلوغرامًا خلال تسعة أشهر من الاعتقال الإداري، بسبب ما وصفه بتقليص الحصص الغذائية. واتهم إدارة السجن باستخدام الصعق الكهربائي والضرب وإطلاق الكلاب البوليسية والرصاص المطاطي داخل الأقسام، إلى جانب حرمان الأسرى المصابين من العلاج.
وتعكس هذه الشهادات، إذا ما تأكدت تفاصيلها من خلال تحقيقات مستقلة، خطورة الظروف التي يواجهها المعتقلون، وتطرح أسئلة بشأن مسؤولية الجهات المشرفة على السجون عن سلامتهم الجسدية والنفسية، ومدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية المتعلقة بمعاملة المحتجزين.
– القضاء الإسرائيلي تحت المجهر:
وتناول التحقيق دور المحكمة العليا الإسرائيلية في التعامل مع الالتماسات المتعلقة بأوضاع الأسرى، مشيرًا إلى ما وصفه بضعف الرقابة القضائية وغياب التدابير الفعالة لإجبار السلطات التنفيذية على تنفيذ القرارات المتعلقة بتحسين ظروف الاحتجاز.
وبحسب التقرير، طلبت المحكمة في سبتمبر 2025 من مصلحة السجون توفير غذاء كافٍ للمعتقلين، لكن التغييرات التي أعقبت القرار لم تُنهِ، وفق التحقيق، الشكاوى المتعلقة بنقص الطعام. كما أشار إلى قرار صدر في يونيو 2026 بشأن السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر باستئناف زيارات السجون، قال إن السلطات الإسرائيلية لم تمتثل له.
وأضاف التحقيق أن التماسات تتعلق بتوفير العلاج الطبي العاجل للمصابين بالجرب، والتحقيق في مزاعم التعذيب والوفيات داخل السجون، لم تؤدِّ إلى إجراءات كافية لمعالجة الانتهاكات المبلغ عنها، وفق ما أورده معدّا التحقيق.
وتثير هذه الوقائع تساؤلات بشأن مدى فاعلية الرقابة القضائية عندما يتعلق الأمر بانتهاكات يُشتبه في ارتكابها داخل مؤسسات تابعة للدولة، ومدى قدرة المحاكم على ضمان تنفيذ قراراتها إذا لم تقترن بآليات إلزام ومساءلة واضحة.
– إنكار رسمي في مواجهة الشهادات:
في المقابل، رفضت مصلحة السجون الإسرائيلية الاتهامات الواردة في التحقيق، ووصفتها بأنها غير صحيحة ولا تستند إلى أساس، معتبرة التقارير التي تتناول الانتهاكات حملة تشويه تستهدف إسرائيل. كما أكدت أنها تعمل وفق القانون، وتخضع لرقابة قضائية، وأن المحتجزين يحصلون على حقوقهم والرعاية اللازمة.
غير أن هذا الرد الرسمي لا ينهي الجدل الذي أثارته الشهادات، بل يجعل التحقق المستقل من ظروف الاحتجاز، والسجلات الطبية، وأعداد المعتقلين وأوضاعهم القانونية، ضرورة لتحديد حجم الانتهاكات والمسؤوليات المترتبة عليها.
تحليل:
إن أخطر ما تكشفه شهادات الأسرى الفلسطينيين ليس حجم الأهوال التي عاشوها خلف القضبان فحسب، بل طبيعة المنظومة التي يُتهم بأنها جعلت من الجوع والألم والإذلال أدوات للعقاب، ومن الاعتقال المفتوح سيفًا مسلطًا على الفلسطيني حتى في غياب لائحة اتهام.
فعندما يفقد الأسير عشرات الكيلوغرامات من وزنه، ويُحرم من العلاج، ويُترك فريسة للأمراض، وتُروى شهادات عن الضرب والصعق والإهانات، فإن المسألة تتجاوز انتهاكًا محتملًا لحقوق فرد إلى اختبار لحدود السلطة التي تملك جسد الإنسان وحريته ومصيره.
والأشد دلالة أن هذه الشهادات خرجت عبر تحقيق لصحيفة إسرائيلية، بما يضع الرواية الرسمية أمام أسئلة لا يمكن إسكاتها بمجرد اتهام المنتقدين بالتشويه أو ترديد شعارات الأمن.
أما القضاء، فتتحدد مصداقيته هنا بقدرته على كسر دائرة الإفلات من المساءلة، لا بمجرد إصدار القرارات أو تسجيل الالتماسات في الملفات. فإذا تعثّر تنفيذ الأحكام، واستمر حرمان المعتقلين من حقوقهم الأساسية رغم الشكاوى والطعون، فإن الفجوة بين النص القانوني والواقع تصبح هي القضية ذاتها.
هذه المعطيات تفرض سؤالًا جوهريًا: ما قيمة الضمانات القانونية إذا عجزت عن حماية إنسان من الجوع والمرض والتعذيب، وما جدوى الرقابة إذا لم تتحول إلى تحقيق مستقل ومحاسبة فعلية؟ إن القانون الذي لا يجد طريقه إلى الزنزانة، ولا يستطيع حماية من سُلبت حريته، يظل حبرًا على ورق أمام سلطة لا تخضع للمساءلة الفعالة.
وفي المحصلة، لا ينبغي أن تتحول أجساد الأسرى المنهكة إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار، ولا أن تُدفن شهاداتهم تحت ركام البيانات الرسمية المتناقضة؛ فكل حالة تستوجب التحقق والتحقيق، وكل وفاة في الاحتجاز تستوجب مساءلة مستقلة، وكل ادعاء موثوق بالتعذيب أو الحرمان من العلاج يستدعي إجراءً لا بيان إنكار.
هنا تُختبر قيمة المؤسسات الدولية، لا بقدرتها على وصف المأساة، بل بقدرتها على فرض التحقيق، وضمان الوصول المستقل إلى السجون، ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت الانتهاكات. فالسجن لا يُسقط عن الإنسان كرامته، والاعتقال لا يمنح السجّان حق تعذيبه، والسلطة التي تطالب العالم باحترام قانونها لا تستطيع أن تجعل من أبواب الزنازين جدارًا يحجب عنها المساءلة؛ لأن الجريمة، إن ثبتت، لا يمحوها الإنكار، ولا يحوّلها الصمت إلى قانون.