وسط تصاعد تهريب الآثار.. تمثال يمني نادر يُعرض للبيع في مزاد في تل أبيب..!

5٬992

أبين اليوم – خاص 

يُعتزم عرض تمثال برونزي نادر يُعتقد أنه من الآثار اليمنية المهربة، للبيع في مزاد علني داخل إسرائيل أواخر سبتمبر المقبل، في واقعة جديدة تسلط الضوء على استمرار استنزاف الموروث الحضاري اليمني ووصول قطعه الأثرية النادرة إلى أسواق المزادات العالمية.

وكشف الخبير والباحث في تتبع الآثار عبدالله محسن، أمس الخميس، أن القطعة المعروضة عبارة عن تمثال نصفي برونزي لشخصية شابة ذات ملامح هادئة، يتميز بدقة فنية واضحة، بينها إكليل نباتي وزخارف تشبه عناقيد العنب، إضافة إلى علامات الأكسدة والتآكل التي تبدو متوافقة مع قدم القطعة وطبيعة مادتها.

وأوضح محسن أن التمثال كان ضمن مقتنيات تاجر المجوهرات الإسرائيلي الراحل شلومو موساييف (1925–2015)، الذي عُرف باقتناء مجموعة كبيرة من القطع الأثرية النادرة، بينها آثار يمنية تعود إلى فترات تاريخية قديمة.

وتشمل المجموعة، وفق الباحث، أسوداً برونزية من الجوف يرجع تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد، ورأس ثور مصنوعاً من الذهب الخالص، إلى جانب تماثيل ملكية وكؤوس تحمل نقوشاً بالخط المسند.

ولا تقتصر أهمية القطعة على قيمتها الفنية والمادية، إذ يمثل ظهور آثار يمنية من هذا المستوى في مزادات خارج البلاد مؤشراً إضافياً على اتساع دائرة الاتجار بالموروث الحضاري اليمني، خصوصاً مع خروج قطع أثرية نادرة من البلاد ووصولها إلى مجموعات خاصة وأسواق دولية يصعب معها استعادة ملكيتها أو تحديد مسارات تهريبها.

وتأتي هذه الواقعة في ظل استمرار تدهور منظومة حماية الآثار اليمنية، وتعدد الجهات المسيطرة على المنافذ والمناطق الأثرية، الأمر الذي يوفر بيئة ملائمة لنشاط شبكات تهريب الآثار والاتجار بها، في وقت يفقد فيه اليمن بصورة متواصلة أجزاء من ذاكرته التاريخية التي تمثل إرثاً حضارياً يتجاوز قيمته المادية.

تحليل:

تكشف واقعة عرض التمثال اليمني في مزاد داخل إسرائيل عن جانب أكثر خطورة من أزمة الحرب اليمنية، يتمثل في انتقال الاستنزاف من الموارد الاقتصادية إلى الذاكرة الحضارية نفسها.

فتهريب قطعة أثرية لا يعني فقدان مقتنى تاريخي فحسب، بل يعني اقتطاع جزء من السياق الحضاري الذي نشأت فيه، وتحويله من شاهد على تاريخ اليمن إلى سلعة تتداولها الأسواق والمجموعات الخاصة خارج موطنها الأصلي.

كما أن وجود قطع يمنية نادرة ضمن مجموعات خاصة، ثم انتقال بعضها إلى المزادات، يطرح أسئلة جوهرية حول مسارات خروجها من اليمن، والجهات التي تولت نقلها، والشبكات التي قامت بتوثيقها وتسويقها، ومدى قدرة السلطات اليمنية على تتبع الملكية الأصلية لهذه القطع والمطالبة باستعادتها.

وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق بقطع ذات قيمة تاريخية استثنائية، مثل الآثار المرتبطة بممالك جنوب الجزيرة العربية القديمة والنقوش المكتوبة بالمسند.

والأخطر أن استمرار هذه العملية في ظل الحرب وتعدد سلطات السيطرة على المنافذ البرية والبحرية والجوية قد يحول اليمن إلى مصدر مفتوح للقطع الأثرية لصالح سوق دولية مربحة. وبذلك لا تكون الحرب قد استنزفت الإنسان والاقتصاد والبنية التحتية فقط، بل تفتح أيضاً المجال أمام تفكيك التراث اليمني وتوزيعه على المتاحف والمجموعات الخاصة والأسواق العالمية.

ومن هنا، فإن مواجهة تهريب الآثار ينبغي ألا تُعامل باعتبارها قضية ثقافية هامشية، بل باعتبارها ملفاً سيادياً ووطنياً وقانونياً، يتطلب إنشاء قاعدة بيانات وطنية للقطع المفقودة والمهربة، وتوثيقها بالصور والأوصاف والنقوش، ومتابعة المزادات العالمية، ورفع المطالبات القانونية باستعادتها.

فاستعادة الآثار ليست استعادة لقطع مادية فحسب، وإنما محاولة لاستعادة أجزاء من التاريخ اليمني قبل أن تتحول عملية التهريب إلى فقدان دائم للذاكرة الحضارية للبلاد.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com