“تقرير“| من احتجاز قيادات الانتقالي إلى إجهاض مبادرة الصبيحة.. السعودية تصادر القرار الجنوبي وتدفع بأبنائه إلى محارق الحرب..!
أبين اليوم – خاص
تواصل القيادات العسكرية السعودية، عبر ما يُعرف بـ”اللجنة الخاصة”، الدفع بأبناء المحافظات الجنوبية إلى جبهات المواجهة، في عمليات استنزاف متواصلة تحصد أرواح المئات، خصوصاً في جبهة لحج ومناطق الصبيحة، بالتزامن مع غياب القرار السياسي الجنوبي الفاعل، في ظل استمرار احتجاز معظم قيادات المجلس الانتقالي في الرياض منذ يناير الماضي، وما ترتب على ذلك من إفراغ المشهد الجنوبي من قياداته المؤثرة.
وفي محاولة لاحتواء التصعيد ووقف نزيف الدماء، تقدم 22 شيخاً من مشايخ ووجهاء قبائل الصبيحة بمبادرة قبلية، جرى إيصالها عبر وسطاء إلى قيادة قوات صنعاء، تضمنت المطالبة بانسحاب القوات من المواقع المطلة على القرى والمناطق السكنية في الصبيحة، ووقف التقدم العسكري داخل أراضيها، والاكتفاء بالتمركز في المواقع التي حددها مشايخ القبائل باتجاه باب المندب.

وبحسب تفاصيل المبادرة، أبدت قوات صنعاء موافقتها على المطالب، وأعلنت استعدادها للتراجع والانسحاب من المواقع المستهدفة، مقابل التزام مشايخ ووجهاء الصبيحة بمنع استخدام أراضيهم ممراً للتحشيدات العسكرية السعودية القادمة من خلف خطوط المواجهة.
غير أن المبادرة اصطدمت برفض سعودي، عقب تسليمها إلى القيادات الميدانية الموالية للرياض، وفي مقدمتها عضو مجلس القيادة الرئاسي محمود الصبيحي، والقيادي العسكري حمدي شكري، المعين من قبل السعودية قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة، حيث منعت الرياض استكمال التفاهمات، ورفضت أي وساطات قبلية تهدف إلى فتح قنوات تواصل بين أبناء الصبيحة وصنعاء.
ولم يتوقف الأمر عند إفشال المبادرة، إذ أصدرت قيادات عسكرية وفصائل موالية للسعودية، تضم شخصيات محسوبة على حزب الإصلاح، بياناً تضمن التهديد بإهدار دم أي شخص يتورط في التواصل مع صنعاء، في خطوة اعتُبرت رسالة ترهيب مباشرة لمشايخ ووجهاء القبائل الذين تحركوا لوقف المواجهات وتجنيب مناطقهم مزيداً من الخسائر.
وتكشف هذه التطورات عن استمرار التحشيدات العسكرية التي تدفع بها السعودية نحو جبهة غرب رأس العارة باتجاه باب المندب، وما يرافقها من سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف أبناء المحافظات الجنوبية، وسط اتهامات للقيادات العسكرية المحلية بتوظيف الانقسامات المناطقية والطائفية، واستغلال الأوضاع المعيشية الصعبة لتجنيد الشباب والزج بهم في معارك لا تحقق، بحسب منتقديها، أي مكاسب سياسية للقضية الجنوبية.
ويمتد الاستنزاف إلى أبناء لحج والضالع وعدن وأبين ومناطق جنوبية أخرى، في وقت تتصاعد فيه المطالبات السياسية والشعبية بوقف عمليات التجنيد والتحشيد ضمن الفصائل الموالية للسعودية، وإنهاء المواجهات مع قوات صنعاء، التي يرى ناشطون وسياسيون جنوبيون أنها حرب عبثية تُدار وفق حسابات خارجية وعلى حساب دماء أبناء المنطقة.
وفي المقابل، لا تزال المبادرة التي أعلنها زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، عبر رسالة خاصة نشر مضمونها السياسي الجنوبي عادل الحسني، قائمة، وفق ما أوردته المصادر، وتتضمن تجنيب المحافظات الجنوبية الحرب والدمار وحقن دماء أبنائها. وقد حظيت المبادرة بتأييد ناشطين جنوبيين، بينهم ناشطون محسوبون على المجلس الانتقالي، طالبوا بإنهاء الوجود العسكري السعودي وإخراج القوات السعودية من المحافظات الجنوبية.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الخلافات بين الرياض وقيادات المجلس الانتقالي، بعدما كشف عضو هيئة رئاسة المجلس راجح باكريت، الثلاثاء، عن حل المجلس تحت الضغط والإكراه السعودي، عقب وصول وفده إلى الرياض في يناير الماضي تحت عنوان “الحوار الجنوبي – الجنوبي”، الذي لم يُستكمل حتى الآن.
وأشار باكريت إلى أن وفد الانتقالي لا يزال محتجزاً في الرياض، مطالباً السعودية بالإفراج عن أعضائه والسماح لهم بالعودة إلى عدن. وفي السياق ذاته، دعا ناشطون جنوبيون عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى تحرك شعبي ضد القوات السعودية، ومنحها مهلة 72 ساعة لإعادة الوفد إلى عدن، ملوحين باقتحام قصر معاشيق واعتقال القيادات العسكرية السعودية الموجودة فيه.
وعليه يمكن القول:
ما يجري في الصبيحة يتجاوز إفشال مبادرة قبلية لوقف المواجهات؛ إنه يكشف جوهر المعادلة التي تدير بها السعودية نفوذها في الجنوب: مصادرة القرار السياسي، وتفكيك مراكز الاستقلال المحلي، وإبقاء القرار العسكري والأمني مرتهناً لإرادتها، حتى لو كان الثمن تحويل أبناء المنطقة إلى وقود لمعارك لا يملكون قرارها ولا يحددون أهدافها.
فاحتجاز قيادات الانتقالي في الرياض، وإفراغ المشهد الجنوبي من مرجعياته السياسية، ثم إجهاض مبادرة 22 شيخاً من الصبيحة، وصولاً إلى التهديد بإهدار دماء المتواصلين مع صنعاء، ليست وقائع منفصلة، بل حلقات في مسار واحد يستهدف منع تشكل أي إرادة جنوبية مستقلة تستطيع وقف الحرب أو إعادة توجيه البوصلة نحو مصالح أبنائها.
والأخطر أن الرياض لم تعد تكتفي بتجنيد المقاتلين وإدارة تحركاتهم، بل تسعى إلى احتكار حق تقرير من يتفاوض ومن يقاتل ومن يملك حتى حق الدعوة إلى السلام.
وهنا تتكشف المفارقة الأكثر قسوة: السعودية التي تتحدث عن حماية الجنوب ومستقبله، ترفض مبادرة محلية لتجنيب أبنائه الحرب، وتتعامل مع الوساطات القبلية باعتبارها خروجاً على حساباتها العسكرية، بينما تستمر في إدارة شبكة من التشكيلات والولاءات التي تدفع ثمن صراعات النفوذ الإقليمي من دماء أبناء الجنوب.
وبذلك تتحول القضية الجنوبية من قضية شعب يبحث عن حقوقه وقراره المستقل إلى ورقة توظيف في صراع تتعدد أطرافه وتختلف حساباته، فيما يتحمل أبناء المنطقة وحدهم كلفة القتل والتشريد والانقسام.
إن أخطر ما تواجهه المحافظات الجنوبية اليوم ليس اتساع رقعة المواجهات فحسب، بل مصادرة حقها في اختيار طريقها؛ فحين يصبح رفض الحرب جريمة، والوساطة القبلية تهديداً، والقرار السياسي رهينة خارج الحدود، لا تعود المعركة مجرد مواجهة عسكرية مع قوات صنعاء، بل تتحول إلى صراع على هوية القرار الجنوبي نفسه: هل يكون قراراً نابعاً من إرادة أبنائه، أم قراراً يُصنع في الرياض وتُدفع كلفته من دمائهم؟