سياسات الصين في حل معضلة الفقر

4٬114

أبين اليوم – مقالة

  بقلم / أشواق محمد

          على الرغم من أن الفقر مسألة متعددة الجوانب، فإنه يُقيَّم في معظمه حسب مستويات الدخل. يبلغ خط الفقر الدولي الشديد حالياً 1.9 دولار في اليوم، وقد انخفض معدل الفقر في العالم انخفاضاً كبيراً منذ عام 1990، حيث وجد ان نسبة الذين تقل معدلات دخلهم عن مستوى خط الفقر تنخفض إلى معدل غير مسبوق في تاريخ البشرية، ذلك اساساً من ثمار برامج الإصلاح الاقتصادي في العملاقين الصين والهند . إلا أن مؤشرات اتساع الفجوة في متوسط الدخل بين الفقراء والاغنياء حتى في الدول الصناعية تنبئ بمخاطر كامنة على السلام العالمي .

يعود أكثر من 60 في المئة من هذا الانخفاض إلى جهود الصين. حيث أدت عقود من النمو الاقتصادي السريع إلى انتشال مايقارب  750 مليون  شخص من براثن الفقر المدقع، مما أدى إلى انخفاض معدل الفقر في الصين من 3.66 في المئة إلى 3.0 في المئة فقط. إن مساهمة الصين المذهلة في تخفيض معدل نمو الفقر العالمي تعتمد مباشرةً على عدد سكانها الكبير، بينما هناك بلدان أخرى ساهمت بنحو ضئيل جداً في تخفيض معدل نمو الفقر العالمي، على الرغم من أنها كانت لديها معدلات انخفاض مماثلة للصين .

المصدر: المركز الوطني الصيني للاحصائيات.

بالإضافة إلى خط الفقر البالغ 1.9 دولار، يقترح البنك الدولي أيضا استخدام خط الفقر البالغ 3.2 دولارات و 5.5 دولارات في اليوم كأساس لتقييم الفقر في البلدان المتوسطة الدخل والبلدان المرتفعة الدخل. إن مقارنة التقدم بين خطوط الفقر الدولية الثلاثة هذه تعطي فهماً أوضح للجهود التي تبذلها البلدان من أجل خفض معدل الفقر العالمي .

حين تم تطبيق خط الفقر البالغ 5.5 دولار على الصين كبلد ذات دخل متوسط، ظل 17 بالمئة من سكان البلاد (237 مليون نسمة) يعيشون في فقر في عام   2018 ، وبطبيعة الحال، في العام نفسه، كان معدل الفقر في المناطق القروية في الصين خمسة أضعاف معدل الفقر في المناطق الحضرية. إن خط الفقر في المناطق القروية في الصين أعلى بكثير من خط الفقر المدقع العالمي ( 1.9 دولار في اليوم) ، إلا أنه في السنوات الأخيرة مال نحو الانخفاض. ويعود هذا إلى جهود الحزب الشيوعي الصيني، حيث كان الحد من الفقر على رأس أولويات الحزب منذ مدة طويلة، لذا وضعت حكومة شي جين بينغ أهدافاً مذهلة لذلك، إلا أنه في الوقت نفسه هناك تساؤلات مطروحة بشأن استدامة البرامج الحكومية.

في غضون العقدين الماضيين فقط، ازداد الناتج القومي الإجمالي للصين بأكثر من عشرة أضعاف، حيث ارتفع من 940 دولاراً في عام 2000 إلى 10410 دولارات في عام  2019، ومع ذلك، فإن النمو الاقتصادي غير متكافئ جداً، ويتركز في الغالب في المناطق الحضرية، ولذلك، اتخذت الحكومة الصينية خطوات لسد هذه الفجوة للحد من الفقر في المناطق القروية. وفي عام 1986، قامت الحكومة الصينية بوضع وتعريف خط فقر وطني، وخصصت ميزانية خاصة للحد من الفقر بإنشاء مكتب مجلس حكومي لتحديد المدن الفقيرة، وبعد سبع سنوات، تم انتشال 80 مليون شخص من الفقر. لقد أنشأت السلطات المركزية آلية تعاونية للسماح لمزيد من المناطق الساحلية الأكثر تحضراً لدعم المناطق الغربية الأكثر فقراً. وكان إلغاء الرسوم التي يدفعها الطلبة في المناطق القروية من ضمن الإجراءات الأخرى للحكومة الصينية. كما قامت لصين بتوسيع برنامج (Dibao Program) وهو برنامج تحويل نقدي غير مشروط لأفقر مواطني الصين .

واجهت الحكومة  الصينية  الكثير من التحديات التي اعاقت  تنفيذ اهم واصعب مشكلاتها  الاجنماعية وخاضت ولاتزال معارك شرسة للحد من الفقر والوصول الى ادنى مستويات الفقر ،ومن بين التحديات الرئيسة التي  واجهتها ولازالت تواجهها ، فجوة التنمية بين المناطق القروية في الغرب والمناطق الحضرية في الشرق. إن فجوة التنمية لها تأثير كبير على نوعية الحياة. قد تكون معدلات الإصابة بالسرطان أعلى حتى في المناطق الحضرية منها في المناطق القروية، ولكن مما لا شك فيه هو أن معدل الوفيات في المناطق القروية أعلى من معدل الوفيات في المناطق الحضرية، وبالإضافة إلى ذلك  كان حوالي 43.8 في المئة من الطبقة العاملة في الصين في عام 2018 عرضة للخطر .

أحد الانتقادات الموجهة لخطط الصين كان حول التغطية الشاملة لبرنامج ديباو Dibao . تأتي ميزانية ديباو من الحكومة المركزية، لكن المسؤولين المحليين يحددون كيفية إنفاقها، ولذلك، فإن الفساد هنا أمر لا مفر منه. كما أن قيمة الدفع لهذا البرنامج ليست كبيرة جداً. ويعدّ عدم وجود الدافع للعمل والسعي أحد نتائج هذا البرنامج. وبالتالي، فإذا عملت الصين من دون اتخاذ حلول أكثر استدامة، ستجعل مواطنيها الأكثر ضعفاً في فقر مدقع.

ومؤخرا معضلة جائحة كورونا .. تشير التقارير  ان الجائحة أثرت بشدة على الفئات السكانية الضعيفة في الصين، حيث الكثير منهم من العمال المهاجرين، وفي شهر واحد فقط من الحجر الصحي، فقدت الصين ما يقرب من 100 مليار دولار لأجور العمال القرويين المهاجرين. وفي ذروة انتشار الفيروس في فبراير 2020، بلغ معدل البطالة الرسمي في البلاد 6.2 في المئة، وهذا الرقم من دون احتساب معدل بطالة العمال القرويين .

إلا أن  الجهود المتواصلة والإصرار الثابت والعزيمة الفولاذية  للصين شعباً وقيادة  لمكافحة الفقر والمستمر منذ عدة سنوات شكلت  قاعدة النصر الأساسية  في هذا المشروع الضخم، هذا إلى جانب عزم الصين تخصيص 146.1 مليار يوان (20.6 مليار دولارأمريكي) هذا العام لتمويل جهود تخفيف حدة الفقر محلياً، وهذا ما تضمنه تقرير مشروع الموازنة المقدم إلى الدورة السنوية للهيئة التشريعية الوطنية، كما أشار التقرير إلى أن البلاد شهدت زيادة 20 مليار يوان في هذا التمويل كل عام على مدار الأعوام الخمسة الماضية، بالإضافة إلى تخصيص الموازنات.

إلا أن عملية محاربة الفقر تتطلب “متابعة ومعالجة المشاكل وتحفيز الهمم وجعل المواطنين يشعرون بنتائج عملية وملموسة لما يقومون به من جهود”، فانتشال مئات الملايين من الأشخاص من حالة الفقر المدقع أمر أشبه بالمعجزة،  فمن سياسة “إعادة التوطين”؛ وهو مشروع صيني كبير لمحاربة الفقر من خلال إعادة توطين سكان المناطق النائية ممن يعيشون فى ظروف صعبة؛ إلى فكرة تشجيع “السياحة الريفية”؛ حيث تتكفل الصين بمصاريف تحويل المنازل إلى سكن  سياحي؛ إلى الإجراءات العديدة، المتمثلة في اتخاذ تدابير هامة لدعم توظيف العمال الفقراء، وزيادة مبيعات المنتجات في المناطق الفقيرة ، ودعم استئناف الصناعات والمشاريع المحلية، وتقديم المساعدة للفقراء أو الذين عادوا للفقر نتيجة تفشي المرض .

ومن  بين الاسباب التي ساعدت الصين  في تحقيق إنجازات كبيرة في مكافحة الفقر، تأتي في المقدمة فكرة التضامن بين الجميع والعمل سوياً،  ثم دراسة كل ما يتعلق بمناطق الفقراء لوضع السياسات المناسبة لهم من مشروعات وخلافه، إلى وضع خطة دقيقة واقعية تستهدف العمل على بناء مجتمع رغيد الحياة .

في عام 2020، سيتم القضاء على الفقر المدقع في المناطق الريفية بالصين، وفقاً للمعايير الحالية، في إطار بناء مجتمع ينعم بحياة رغيدة، وفاء بالوعد المهيب الذي التزم به الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية أمام جماهير الشعب الصيني .

تحقيق ذلك ليس مهمة سهلة أو عمل مفاجئ، وإنما هناك جهود مريرة على مدى سنوات عديدة، ساهم فيها الصينيون جميعاً، شعباً وحزباً وحكومة .

وإذا كانت إحصاءات البنك الدولي تؤكد انخفاض عدد سكان العالم الذين يعيشون تحت خط الفقر على مدار الأربعين سنة الماضية بأكثر من 850 مليون فرد، فإن الدولة صاحبة الفضل الأكبر في تحقيق هذه النتيجة هي الصين، التي كانت أول دولة نامية تحقق الهدف الإنمائي للألفية للأمم المتحدة للحد من الفقر. خلال السنوات الست الماضية فقط، استطاعت الصين محو وصمة الفقر عن جبين أكثر من ثمانين مليون فرد من سكان الريف و80% من القرى الفقيرة وأكثر من نصف المحافظات الفقيرة .

معضلة القضاء على الفقر أو حتى الحد منه واحداث تنمية بشرية مستدامة، تكاد تكون شبه مستحيلة في بلد كالصين ذو مساحات شاسعة مترامية الأطراف سكانه يمثلون ربع سكان العالم من قوميات مختلفة؛ مشكلة الفقرعنده متأصلة منذ عهود… ولكن الحكمة الصينية واجهت تلك التحديات بصبر و جهد وعمل دؤوب، فتحققت عبرها نتائج مبهرة عظيمة…

ما تزال هناك العديد من العقبات والتحديات أمام الحكومة الصينية، للقضاء على الفقر المدقع، وبخاصة في جانبها الاقتصادي، ذلك أن الفجوة بين الأثرياء والأقل حظاً من الثراء مازالت قائمة، بل تتوسع حتى في أكثر مقاطعات الصين ثراء وهي مقاطعة قوانغدونغ. في تشينغيوان؛ وهي ولاية على مستوى المدينة في مقاطعة قوانغدونغ؛ لا يزيد متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ربع نظيره في مدينة شنتشن التابعة لنفس المقاطعة. فجوة الدخل الواسعة ليست بين الأقاليم فحسب وإنما بين الأفراد أيضاً، وتضييقها مهمة تتطلب من الصين جهوداً متواصلة. بعد عام 2020، سيكون المحور الهام لأعمال الحكومة الصينية في مساعدة الفقراء هو حل مشكلة الفقر النسبي، فذلك عمل مستمر ستثابرعليه الصين .