فرنسا وافريقيا – تاريخ من العلاقات الاقتصادية غير العادلة

2٬743

 أبين اليوم – مقالات

  بقلم / اشواق محمد

يعود تاريخ الهيمنة الفرنسية على إفريقيا إلى القرن السابع عشر، إذ بدأت باريس في احتلال مناطق القارة واستغلال سكانها المحليين منذ سنة 1624، عبر إنشاء أول مراكزها التجارية في السنغال حيث كانت التجارة هي احداسباب الاستعمار الفرتسي ، لتتوالى فيما بعد الحملات العسكرية الفرنسية على بعض الدول الأخرى إلى أن احتلت الجزائر سنة 1830، ثم تونس وأجزاء من المغرب تعتبر فرنسا الدولة الأوروبية الأولى من حيث النفوذ والقدرة على الحركة والفعل في الساحة الإفريقية وفق دراسة نشرها المعهد العربي للبحوث والدراسات، إذ عملت فرنسا على إنشاء المراكز الثقافية والمدارس والجامعات في مختلف الدول الإفريقية، كما اعتمدت على نشر اللغة الفرنسية من خلال إنشاء منظمة الفرنكفونية، وعقد قممها كل سنتين سواء في باريس أو في إحدى العواصم الإفريقية، بالإضافة إلى امتلاكها خمس قواعد عسكرية موزّعة على دول إفريقية عديدة .

نالت 14 دولة إفريقية في عام 1960 استقلالها: بنين، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، ومالي، والنيجر، والسنغال، وتوغو، والكاميرون، وتشاد، والكونغو-برازفيل، ومدغشقر، وموريتانيا، والغابون وجمهورية إفريقيا الوسطى.

وفي عام 1946 أسست فرنسا الاتحاد الفرنسي ليحل محل التنظيم الاستعماري القديم. التنظيم الجديد سمح للمستعمرات بالتمثيل في الجمعية الوطنية الفرنسية، ولكن دون سيادة. تصاعدت المقاومة ضد الفرنسيين وكانت غينيا أول دولة إفريقية تستقل عن فرنسا عام 1958.

لم يمنع حصول دول إفريقيا على استقلالها الذي يصفه البعض بأنه “استقلال صوري” فرنسا من التدخل  اما تدخل عسكري مباشراو انقلابات عسكرية وكثير من الاحيان اغتيالات لكل من يعارضها من السياسيين الافارقة . فالقادة الأفارقة الذين يرفضون  الاستغلال الفرنسي  السياسي والاقتصادي يقتلون أو يكونوا ضحايا انقلاب عسكري. وأولئك الذين يطيعون الأوامر يكافؤون ويدعمون من فرنسا،

من مظاهر الهيمنة الفرنسية الاستعمارية على افريقيا ماتضمنته بنود معاهدة صاغها انذاك المستشار الشخصي للرئيس الفرنسي ديجول في بداية الستينيات ” جاك فوكار” اجبرت على قبولها والتوقيع عليها الدوال الافريقية المستقلة، وعقب توقيع الاتفاقية اصبحت تلك الدول مقيدة بدفع استحفافات مايسمى  بالاستفادة من المستعمر بالاضافة الى العديد من الشروط الاجحافبة التي تجد امامها الدول عاجزة عن المضي خطوات نحو التقدم ..

  اهم البنود الاقتصادية في اتفاقية استمرار الاستعمار الفرنسي لافريقيا:-

– الالتزام  بدفع دين سنوي  لفرنسا مايسمى  بالاستفادة من المستعمر  تصل الى 40% من الناتج القومي  .

–  فرض التعامل بعملة الفرنك الافريقي وهي عملة  متداولة في 12 دولة افريقية   تم ربطه باليورو وهذا مايحول دون انتهاج سياسة نقدية مستقلة ، ومن النتائج المترتبة على ربط البلدان الإفريقية في منطقة الفرنك الإفريقي بعملة قوية مثل اليورو أن تظل اقتصادات المنطقة ضعيفة وتمنعها من صياغة برامج اقتصادية وتنموية خاصة بها، واعتُبر هذا الإجراء النقدي، أي الفرنك الإفريقي، بمثابة حیلة فرنسية ناجعة لتأمین التدفق المستمر للعائدات النقدیة والاقتصادیة من المستعمرات الفرنسية السابقة إلى باريس، بخاصة أن الاتفاق كان يشترط على دول الفرنك تورید 100% من ودائع النقد الأجنبي الخاصة بھا إلى البنك المركزي الفرنسي، قبل أن يجري تخفیض ھذه النسبة إلى 65% في السبعينيات، ولاحقا إلى 50% عام 2005، تحت ذريعة توفير غطاء نقدي لإصدار الفرنك الفرنسي .

 . -الدول “المستقلة” ملزمة بدفع استحقاقات البنية التحتية التي بنتها فرنسا في هذه الدول خلال استعمارها لها

-الدول الأفريقية ملزمة بإيداع احتياطاتها القومية من النقد في البنك المركزي الفرنسي .

–  يحق لفرنسا  الاحتفاظ  باحتياطات النقد القومية لـ 14 دولة أفريقية منذ عام 1961: (بنين، بوركينا فاسو، غينيا – بساو، ساحل العاج، مالي، النيجر، السنغال، توجو، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، جمهورية الكونغو، غينيا الاستوائية، الجابون).

-السياسة المالية التي تحكم هذه الدول في الحقيقة مُدارة من قِبل وزارة المالية الفرنسية، بدون الرجوع إلى أي من الإدارة المركزية لدول غرب ووسط افريقيا .

– تحت شروط هذه الاتفاقية الذي تم بموجبها إنشاء البنوك المركزية للاتحاد النقدي الأفريقي  يلتزم البنك المركزي لكل من هذه الدول بإيداع على الأقل 65% من احتياطاتها النقدية الأجنبية فيما يعرف بـ “حسابات الاستثمار” في خزانة الحكومة الفرنسية، بالإضافة إلى 20% لتغطية الخصومات المالية .

– الخزانة الفرنسية تقوم باستثمار الاحتياطات الأجنبية للدول الأفريقية باسمها في بورصة باريس بمعنى  أكثر من 80% من الاحتياطات الأجنبية لهذه الدول الأفريقية مودعة في “حسابات الاستثمار” تحت قبضة الخزانة المالية الفرنسية .

ارباح  هذه الاموال لايعلم عنها البنوك المركزية الافريقية  وغير مصرح لهم بالاطلاع عليها .

– أن التقارير المالية الدولية تحدثت عن أن احتیاطیات الدول الإفریقیة في البنك المركزي الفرنسي بلغت نحو 500 ملیار دولار، إلا أنها لا تستطیع الوصول إلى ھذه الأموال بأكثر من 15% في السنة، وفي حالة احتیاجھا إلى المزید فهي مجبرة على اقتراضھا من الخزانة الفرنسية مقابل فوائد ضخمة .

– ضمنت الدول الافريقية للشركات الفرنسية استغلال الموارد الاستراتيجية كالماس واليورانيوم والغاز والنفط . ولهم  الحق  في الحصول على أي مواد خام أو موارد طبيعية تم اكتشافها في إحدى هذه الدول .

-الأولوية لفرنسا والشركات الفرنسية في الحصول على العطاءات والمناقصات العامة  على سبيل المثال في ساحل العاج  الشركات الفرنسية تمتلك وتتحكم في معظم مرافق الدولة من مياه لكهرباء وهواتف ومواصلات وموانئ وبنوك. ونفس الشيء في التجارة والمقاولات والزراعة

–  لهم الحقوق الحصرية لتزويد جيوش هذه الدول بالمعدات العسكرية وتدريب ضباطها .

– الالتزام بإرسال تقرير عن الميزانية السنوية والاحتياطي .

ويؤكد مراقبون وخبراء في شتى المجالات بخاصة الاقتصادية، أن النھب الفرنسي لخیرات إفریقیا زمن الاستعمار متواصل إلى اليوم، وأن السيطرة الفرنسية على اقتصاديات هذه الدول وتحكُّمها المباشر في معاملاتها التجارية والنقدية وسياساتها المالية لا يزال قائماً.

ففي مطلع سنة 2019 طفت على السطح ”أزمة” فرنسية-إيطالية بسبب الهجرة جعلت ”لويجي دي مايو” نائب رئيس الحكومة الإيطالي يهاجم فرنسابـ”إفقار قارة إفريقيا”، وقال في هذا الشأن: ”إن اتفاقیات ما يُعرف بالاستقلال تجعل من فرنسا خامس اقتصاد في العالم، ولولا هذا الاستغلال الفرنسي الفاحش لثروات الدول الإفریقیة لكان اقتصادھا في المرتبة 15 عالمیاً”، ودعا أيضاً الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على باريس بسبب سياساتها تجاه إفريقيا .

الإغراق في الديون سلاح آخر تعتمده فرنسا مع هذه الدول ما يجعلها رهينة الأوامر الفرنسية، فمثلاً تدفع التوغو إلى اليوم 80% من الدخل القومي لصالح فرنسا كضريبة للاستعمار.

كذلك فإنها ملزمة بوضع 50% من احتیاطیاتھا الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي وتحت سيطرة الوزير الفرنسي للرقابة المالية،

وفي سنة 2017 أكدت الأمم المتحدة وجود 9 دول من منطقة الفرنك الإفريقي ضمن قائمة الدول الأقل نمواً في العالم. كذلك فإنها مدرجة أيضاً من قبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ضمن مجموعة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، على الرغم من تميزها بوفرة الموارد الزراعية والثروات الطبيعية.

إنه لنظام رديء؛ فقد نال الاستنكار من الاتحاد الأوروبي ذاته، لكن فرنسا غير مستعدة للانتقال من ذلك النظام الاستعماري الذي وضع قرابة 500 مليار دولار في خزانة الدولة الفرنسية من مستعمراتها الأفريقية عامًا بعد الآخر.