لماذا يتصالح أردوغان مع كل أعدائه ويُقدّم لهم التنازلات باستِثناء الجار السوري؟ وهل سيكون الحديث عن تقاربه مع مِصر تغطيةً لانفتاحٍ أكبر على إسرائيل؟ ولماذا لا تنجح مليارات الإمارات في وقف تدهور الليرة؟

4٬703

بقلم/ عبد الباري عطوان

أعلن الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في لقاءٍ مع الصحافيين أمس إن بلاده تعتزم أن تتقرّب تدريجيًّا من إسرائيل ومِصر والسعوديّة بعد فتحها صفحة جديدة من العلاقات مع الإمارات بعد زيارة الشيخ محمد بن زايد وليّ عهد أبو ظبي لأنقرة قبل أُسبوعين، ولكن التمنّيات شيء والواقع على الأرض شيء آخر مُختلفٌ تمامًا.

من الواضح أن الرئيس أردوغان يُريد العودة بشَكلٍ مُتدرّج لسياسة “صفر مشاكل” مع الجيران التي خطفتها منه دولة الإمارات وباتت تُطبقّها حاليًّا في المنطقة العربيّة، بعد اتّفاق مُصالحة العُلا الخليجيّة المِصريّة مع دولة قطر مطلع هذا العام، والانفتاح على كُل من سوريا وإيران وتركيا والانسِحاب سياسيًّا من ليبيا، ولكن ما كان يصلح قبل عشر سنوات، أو بعد انحِسار موجة “الربيع العربي”، وتراجع الإسلام السياسي، وتدهور الأوضاع الاقتصاديّة التركيّة، وتقدّم أحزاب المُعارضة في استطلاعات الرأي، سيجعل هذه العودة صعبة، إن لم تكن مُستحيلة..

ولعلّ التّصريحات التي أدلى بها بالأمس كمال قلجدار أوغلو زعيم الحزب الجُمهوري المُعارض، وذكّر فيها الرئيس أردوغان بفشل سياساته بقوله “ماذا حدث لرابعتك وأخوانك المُسلمين، وماذا يعني تطبيعك مع دولة (الإمارات) اتّهمتها بدعمِ الانقلاب العسكري”، تعكس الشّكوك الكبيرة داخليًّا، وربّما خارجيًّا، بإمكانيّة تحقيق هذا التوجّه القديم المُتجدّد، فمِياهٌ كثيرةٌ مرّت تحت هذا الجسر.

الهدف الرئيسي لسياسة الرئيس أردوغان “التراجعيّة” عن سياسة “المُناكفة الإقليميّة، وفتح العديد من الجبهات دفعة واحدة، هو توثيق العلاقات مع دولة الإحتلال الإسرائيلي، ويتّضح ذلك من خِلال المُكالمتين “الحميميتين” مع كُل من الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتزوغ ورئيس وزرائه نفتالي بينيت اللتين أجراهما بعد الإفراج عن زوجين إسرائيليين اعتُقلا بتُهمة التجسّس حيث حرص على التأكيد على رغبته بتطوير العلاقات بين البلدين، وتوثيق التعاون المُشترك الذي سينعكس استقرارًا على منطقة الشرق الأوسط برمّتها، حسب الرواية الرسميّة التركيّة، ولعلّ حالة “الفُتور” في العلاقات مع حركة “حماس” وتقليص أنشطة عناصر حركة الإخوان المسلمين وتكتيم أفواه منابرهم الإعلاميّة مُؤخَّرًا بعض الأمثلة.

تقارب الرئيس أردوغان مع دولة الإمارات حقّق له إنجازًا كبيرًا بإسكات سادات بيكير، أحد أبرز زعماء المافيا، الذي كان يبث “فيديو أسبوعي” من أبو ظبي يكشف فيه فضائح الحزب الحاكم والطّبقة المُحيطة بالرئيس الماليّة والشخصيّة وتهريب المخدّرات، مدعومة بالوثائق، فقد توقّف عن هذا البث كُلِّيًّا بعد بدء التقارب التركي الإماراتي، ولم يبث سادات أيّ فيديو مُنذ أكثر من أسبوعين، وقد يُبعَد من الإمارات قبل أن يزورها أردوغان في شباط (فبراير) المُقبل، إلى جانب صندوق استِثماري إماراتي بقيمة عشرة مِليارات دولار، ولكن هذا المبلغ كان مُخَيِّبًا للآمال، لأنّ الإعلان عنه لم يُوقِف انهِيار الليرة التركيّة، بل زاده تدهورًا، وتجاوز سِعرها حاجِز الـ13 ليرة مُقابل الدولار.

أمّا دولة الإمارات التي تطمح إلى إبعاد الرئيس أردوغان عن دعم حركة الإخوان وفكّ ارتباطه بالإسلام السياسي، وشِراء بعض شِركات القِطاع العام التركيّة، والعسكريّة منها خاصَّةً أُسوةً بمُنافستها دولة قطر (اشترت شركة إنتاج دبّابات)، فحقّقت مُعظم مطالبها مُستَغِلّةً أزمة الاقتصاد التركي، مُضافًا إلى ذلك استِخدامها تركيا كورقة ضغط على مِصر والسعوديّة معًا، خاصَّةً أن عُلاقاتها، أيُ الإمارات، مع البلدين ليست في أفضل أحوالها هذه الأيّام، والمعلومات المُتوفّرة لدينا من مصادر دبلوماسيُة وثيقة تُؤكّد أنّ هُناك حالة استِياء مِصري من زيارة وليّ عهد ابوظبي لأنقرة، وتقديم المِليارات لدعم الاقتصاد التركي.

الرئيس أردوغان سيزور أبو ظبي في شهر شباط (فبراير) المُقبل، وهُناك اعتِقاد بأنّها ربّما تكون غِطاء أو مُقدّمة، لزيارة القدس المحتلّة، التي قد تتلوها، لأنّ التّطبيع الرسمي مع القاهرة التي تتقارب حُكومتها بشَكلٍ مُتسارع مع سورية، وتنتظر نتائج الانتخابات الليبيّة والدّور التركي فيها، وما يُمكن أن يتلوها من أحداثٍ “دراماتيكيّة”، قد يتأخّر كثيرًا لانعِدام ثقة القِيادة المِصريّة بالرئيس أردوغان، والتّشكيك بنواياه الحقيقيّة، خاصَّةً تُجاه الابتِعاد عن الإسلام السّياسي، علاوةً على إقامة تحالفات وثيقة مع اليونان قبرص سياسيًّا وعسكريًّا، وإرث الصّراع التّاريخي بين مرجعيّة الأزهر ومرجعيّة إسطنبول السنيّة.

اللّافت أن الرئيس أردوغان يُريد التطبيع والمُصالحة مع كُل أعدائه وخُصومه، وتقديم التّنازلات غير المُتوقّعة لهم، باستِثناء جارته السوريُة، التي يُمكن أن يُؤدّي التطبيع وحل الخِلافات معها إلى إيجاد حُلول لمُعظم أزماته الحاليّة، الداخليّة والخارجيّة، الماليّة والاقتصاديّة، فبينما تسير عمليُة الانفِتاح العربي على دِمشق، والخليجي خاصَّةً، بسُرعةٍ غير مُتوقّعة هذه الأيّام (باستِثناء قطر) يتصلّب الرئيس التركي في مواقفه، ويرفض كُل الضّغوط في هذا الاتّجاه، بِما في ذلك الروسيّة، ولا يُريد أن يسمع اسم “سوريا الأسد” مُطلقًا من أيّ شخصٍ كان.

الدكتور حسن محلي الكاتب المُتخصّص في الشّأن التركي، والعلاقات التركيّة السوريّة على وجه الخُصوص، فسّر موقف أردوغان هذا بالقول بأنّه، أيّ أردوغان، وقَع في حُفرةٍ لا يستطيع الخُروج منها، فماذا سيفعل بأكثر من 100 ألف سوري من حُلفائه ويحظون بدعمه المالي في إدلب ومناطق أُخرى في شمال سورية، إلى جانب 35 ألف مُسلّح من الشيشان، علاوةً عن الآلاف من مُقاتلي الإيغور والتركمان والأذريين وفوق هذا وذاك أكثر من تسعة ملايين مُواطن سوري من بينهم خمسة ملايين لاجِئ في تركيا نفسها، فالمُصالحة تعني استِيعاب تركيا لأعدادٍ كبيرة من هؤلاء اللُاجئين والمُسلّحين، وهذا أمرٌ مُستحيل بالنّسبة له، ومُقدّمة لثورةٍ ضدّه، خاصَّةً أن العداء العُنصري التركي للسوريين يتصاعد بشَكلٍ لافت هذه الأيّام.

الأشهر الـ 18 التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسيّة التركيّة ستكون صُداعًا مُقْلِقًا للرئيس أردوغان، فالمُعارضة تُسيطر على المجلس البلدي في أكبر عاصمتين، إسطنبول الاقتصاديّة، وأنقرة السياسيّة، وأسهم أكرم إمام أوغلو عُمدة إسطنبول مُرشّح المُعارضة المُحتمل للرئاسة في ارتفاع، ولعلّ المُظاهرة الضّخمة التي ستنطلق غدًا في مرسين هي بدايات التحرّك المُنَظَّم ضدّ الرئيس أردوغان وحِزبه، ودِيكتاتوريّته، وسُوء إدارته، حسب تصريحات المُنظّمين.

“السّنوات العشر” المجيدة التي حقّق فيها حزب العدالة والتنمية إنجازاته الاقتصاديّة والسياسيّة الضّخمة، برئاسة أردوغان تتآكل بسُرعةٍ، والفتاوى التي يُصدرها بعض “المشايخ” حول “خطوته” الجديدة بمُكافحة الرّبا لم تُقنع أحدًا، وكانت مصدرًا للسّخرية، فالاقتِصاد التركي الرأسمالي قائمٌ على الفائدة مُنذ استِقلال البِلاد قبل مئة عام، وديون تركيا التي تبلغ حواليّ 480 مِليار دولار ليست دُيونًا وفق الشّريعة الإسلاميّة مُعفاة من الفائدة، والبُنوك التركيّة في مُعظمها بُنوك ربويّة، وتخفيض سِعر الفائدة من 19 إلى 15 بالمئة لا يعني أن الاقتِصاد التركي بات إسلاميًّا صِرفًا، وغير ربويّ.

الأزمة الاقتصاديّة هي التحدّي الأكبر للرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية، فالفُقراء الذين يُشَكِّلون حاضنته الحزبيّة الأضخم يتعاملون بالليرة التركيّة، ولا يعرفون شيئًا اسمه الدولار، هُم الخاسِر الأكبر من انهِيارها المُتواصِل، وارتفاع نسبة التضخّم إلى أكثر من 20 بالمئة يجعل ظُروفهم المعيشيّة صعبةً للغاية، أمّا الرّابح الأكبر فهم القطط السّمان، الذين لا يتعاطون بها، ومُعظم حساباتهم البنكيّة بالدولار واليورو.
يبدو أن العشريّة الأردوغانيّة المجيدة تقترب من نهايتها، حسب آراء مُعظم الخُبراء الاقتصاديين الأتراك الذين اتّصلنا بهم، والأشهر القادمة التي ستسبق انتخابات عام 2023 ستكون صعبة على تركيا وشعبها، وحافلة بالمُفاجآت غير السارّة، سواءً عادت العُلاقات مع مِصر والإمارات أو إسرائيل.. فقد سبق السّيف العذل.. واللُه أعلم.