في قصور محصنة وملاجئ للطوارئ.. وول ستريت جورنال تكشف كواليس القلق الأمني لمحمد بن سلمان..!

5٬994

أبين اليوم – خاص 

كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال“ الأمريكية عن تدابير أمنية مشددة تحيط بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في ظل تصاعد الهجمات اليمنية على المملكة، مشيرة إلى أنه يتنقل بين قصور شديدة الحراسة ومجهزة بملاجئ، وسط إجراءات احترازية تعكس حساسية المرحلة الأمنية التي تواجهها الرياض.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين مطلعين على تحركات ولي العهد، البالغ من العمر 41 عاماً، أنه يرافقه فريق أمني جرى اختياره بعناية، فيما كان آخر ظهور علني له، بحسب التقرير، يوم الثلاثاء الماضي، عندما تبرع بالدم دعماً لحملة وطنية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطاً اقتصادية متزايدة بفعل تكاليف الحرب والإنفاق المرتفع، مع اتساع عجز الموازنة ومخاوف من انعكاس الأعباء المالية على النمو الاقتصادي، بما قد يفاقم تداعيات الأزمة داخل المملكة وخارجها.

ونقلت الصحيفة عن كريستيان كوتس أولريشسن، الباحث المتخصص في شؤون الخليج العربي بمعهد بيكر التابع لجامعة رايس، قوله إن الخيارات المتاحة أمام القيادة السعودية محدودة، محذراً من أن أي رد عسكري قد يجر المملكة إلى صراع غير متكافئ، أثبتت فيه قوات صنعاء قدرتها على إلحاق أضرار مادية ورمزية.

وفي الجانب الدفاعي، تواجه السعودية صعوبات في تغطية مساحتها الجغرافية الواسعة بمنظومات الدفاع الجوي، الأمر الذي يدفعها، وفقاً لمصادر مطلعة على المداولات السعودية، إلى نقل بطاريات الصواريخ بين مواقع مختلفة في محاولة لتعزيز حماية القصور والمنشآت الحيوية، ولا سيما البنية التحتية للطاقة.

وعلى المستوى السياسي، لم تنجح مساعي محمد بن سلمان لتعزيز علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك تعهده باستثمارات تقارب تريليون دولار في الولايات المتحدة، في ضمان استجابة أمريكية مباشرة لمطالبه العسكرية. ووفقاً للتقرير، قاومت واشنطن حتى الآن طلبات ولي العهد الحصول على مساعدة عسكرية لوقف تقدم قوات صنعاء، مكتفية بإرسال مستشارين عسكريين.

تحليل:

أولاً: القصور المحصنة.. حين يتحول الأمن الشخصي إلى عنوان للأزمة الاستراتيجية:

لا تكمن الدلالة الأهم في انتقال محمد بن سلمان بين القصور المحصنة أو تجهيزها بالملاجئ، بل في السياق الذي يضع هذه الإجراءات ضمن معادلة أوسع من الحسابات الأمنية التقليدية.

فالسعودية التي أنفقت مليارات الدولارات على التسليح، وراكمت صفقات دفاعية ضخمة، تجد نفسها أمام تحدي حماية مساحة جغرافية شاسعة ومنشآت حيوية متعددة، في وقت تتصاعد فيه التهديدات القادمة من اليمن. ولا يعني ذلك أن منظومتها الدفاعية انهارت، لكنه يسلط الضوء على الفجوة بين امتلاك السلاح والقدرة على توفير حماية متواصلة وفعالة لجميع الأهداف المحتملة.

والأكثر حساسية أن حماية القيادة والمنشآت الاستراتيجية تفرض أولويات متنافسة على الموارد الدفاعية، خصوصاً عندما تتعدد الأهداف وتتسع رقعة التهديد. وهنا تتجاوز المسألة حدود القصور والملاجئ إلى سؤال أعمق: إلى أي مدى تستطيع الرياض الحفاظ على شعور الاستقرار الداخلي والثقة الاقتصادية، إذا أصبحت المخاطر الأمنية عاملاً حاضراً في حسابات القيادة والاستثمار والإنفاق العام؟

ثانياً: واشنطن تحسب كلفة الحرب.. والاستثمارات السعودية لا تشتري تدخلاً عسكرياً مفتوحاً:

تكشف المواقف الأمريكية، كما أوردتها الصحيفة، عن حدود العلاقة بين الرياض وواشنطن عندما يتعلق الأمر بتحويل الشراكة السياسية والاستثمارات الاقتصادية إلى التزام عسكري مباشر. فتعهد السعودية باستثمارات تقارب تريليون دولار في الولايات المتحدة لا يضمن تلقائياً أن تتبنى إدارة ترامب الأهداف العسكرية السعودية، أو أن تدخل مواجهة واسعة لوقف تقدم قوات صنعاء. فواشنطن تحسب تدخلاتها وفقاً لمصالحها وتقديراتها للمخاطر، لا وفقاً لحجم الوعود الاستثمارية وحده.

ومن هذا المنظور، فإن الاكتفاء بإرسال مستشارين عسكريين، وفقاً للتقرير، يترك الرياض أمام معادلة معقدة: الحاجة إلى الدعم الأمريكي من جهة، ومحدودية الاستجابة الأمريكية من جهة أخرى.

لكن ذلك لا يعني تخلي واشنطن عن السعودية أو انهيار التحالف بينهما؛ بل يشير إلى أن الشراكة لا تلغي اختلاف الأولويات، وأن الدعم الأمريكي قد يبقى دون المستوى الذي تريده القيادة السعودية ما لم تتطابق المطالب السعودية مع حسابات واشنطن الأوسع.

ثالثاً: اقتصاد الحرب.. عندما تتحول كلفة المواجهة إلى ضغط على القرار السياسي:

تزداد حساسية المشهد عندما تتزامن التحديات الأمنية مع ارتفاع النفقات العسكرية واتساع عجز الموازنة. فاستمرار المواجهة يفرض أعباء مباشرة على الإنفاق الدفاعي، وقد يرفع تكاليف التأمين والاستثمار ويزيد حالة عدم اليقين لدى الأسواق، إذا اتسعت المخاطر لتشمل قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية.

غير أن حجم هذه التداعيات الفعلية يظل مرتبطاً بمدى استمرار التصعيد، والأضرار التي قد تنجم عنه، وقدرة الحكومة السعودية على احتواء آثاره.

وتكمن المعضلة في أن الرد العسكري الواسع قد يفتح باباً لمواجهة أعلى كلفة وأقل قابلية للضبط، بينما قد يُفسَّر تجنب التصعيد على المستوى السياسي بوصفه تراجعاً عن أهداف معلنة.

وبين هذين الخيارين، يصبح القرار السعودي محكوماً بالموازنة بين متطلبات الردع، وحماية المنشآت، واستقرار الاقتصاد، والحفاظ على العلاقة مع واشنطن. وهذه ليست مجرد معادلة عسكرية؛ إنها اختبار لقدرة القيادة على منع تحول المواجهة إلى استنزاف طويل الأمد.

الخاتمة: المعضلة ليست في عدد الصواريخ.. بل في حدود القوة والتحالف:

ما تكشفه المعطيات الواردة في تقرير «وول ستريت جورنال» هو أن الرياض تواجه مجموعة من الضغوط المتداخلة، لا أزمة منفردة يمكن احتواؤها بإجراء أمني أو صفقة تسليح جديدة. فحماية القيادة لا تعني بالضرورة حماية جميع المنشآت، وامتلاك منظومات دفاعية متطورة لا يضمن اعتراض كل تهديد، كما أن العلاقة الوثيقة بواشنطن لا تعني أن الولايات المتحدة ستخوض كل مواجهة تختارها السعودية.

إن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة المملكة على التوفيق بين أمنها العسكري، واستقرارها الاقتصادي، وحدود التزامات حليفها الأمريكي.

أما قوات صنعاء، فإن قدرتها على مواصلة الضغط، ومدى تأثير عملياتها في الحسابات السعودية، يظلان مرتبطين بالوقائع الميدانية وتطورات المواجهة، لا بمجرد الإجراءات الأمنية المنقولة عن مصادر الصحيفة.

لكن إذا استمر الضغط العسكري بالتوازي مع ارتفاع كلفة الحرب ومحدودية التدخل الأمريكي المباشر، فقد تضطر الرياض إلى مراجعة حساباتها بشأن جدوى التصعيد وشروط التسوية. وعندها لن يكون السؤال مقتصراً على كيفية حماية القصور والمنشآت، بل على كيفية إنهاء مواجهة تتزايد كلفتها من دون دفع أثمان سياسية واستراتيجية أكبر.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com