سقوط التربة يفجّر أزمة الثقة السعودية بالإصلاح.. انهيارات عسكرية وعزلة شعبية تهدد نفوذه في تعز..!
أبين اليوم – خاص
كشفت مصادر مطلعة في مجلس القيادة الرئاسي عن تراجع ثقة السعودية بحزب الإصلاح والقوات التابعة له، على خلفية الانهيارات المتلاحقة في جبهات القتال بمحافظة تعز، وصولاً إلى سقوط مدينة التربة جنوبي المحافظة، في تطور يعكس اتساع فجوة الثقة بين الرياض وحلفائها المحليين، بالتزامن مع تقدم قوات صنعاء على أكثر من محور.
وبحسب المصادر، تنظر الرياض إلى سقوط التربة باعتباره الضربة الأخيرة لما تبقى من ثقتها بقدرة الإصلاح على إدارة المواجهة العسكرية، مشيرةً إلى أن السعودية لم تعد تتعامل مع التطورات على مشارف مدينة تعز باعتبارها معركة تستدعي حشد الدعم العسكري لإنقاذ القوات المحسوبة على الحزب.
وفي مؤشر على تراجع الاستعداد السعودي لتقديم الدعم العسكري، رفضت الرياض، وفقاً للمصادر، طلبات بإنزال أسلحة بالمظلات إلى مدينة تعز، مبررةً موقفها بمخاوف من وقوع الأسلحة في أيدي قوات صنعاء أو تسريبها وبيعها في سوق السلاح، وهو ما يكشف اتساع أزمة الثقة داخل المعسكر الموالي للتحالف، حتى في ما يتعلق بتأمين الإمدادات العسكرية.
وتزامنت هذه التطورات مع تقارير محلية أفادت بسيطرة قوات صنعاء، اليوم، على نقطة الهنجر والسجن المركزي وحدائق الصالح في الجهة الغربية من مدينة تعز، وسط تراجع متواصل في عدد من مواقع القوات الموالية للإصلاح، واقتراب المواجهات من مناطق أكثر حساسية في محيط المدينة.
– تآكل الحاضنة الشعبية.. حين تتحول السيطرة إلى عبء:
وتكشف التطورات العسكرية المتسارعة عن أزمة تتجاوز خسارة المواقع والجبهات، لتطال قدرة حزب الإصلاح على الاحتفاظ بحاضنة شعبية قادرة على إسناد قواته في مواجهة تقدم صنعاء. فالتراجع الميداني يتزامن مع تصاعد الضغوط على معقل الحزب في المدينة، في وقت تبدو فيه سنوات السيطرة الأمنية والعسكرية عاجزة عن توفير قاعدة اجتماعية صلبة تسانده في لحظة المواجهة.
ويربط مراقبون هذا التراجع بحصيلة سنوات من المظالم والانتهاكات المنسوبة إلى مجموعات مسلحة محسوبة على الحزب، بما في ذلك القتل والاعتداء على المواطنين ومصادرة الممتلكات، وهي ممارسات أسهمت، وفق هذه التقديرات، في توسيع فجوة الثقة بين الحزب وقطاعات من سكان المدينة، ورفعت منسوب السخط على إدارته للملف الأمني والعسكري.
وتكمن خطورة هذه الأزمة في أن السيطرة على المؤسسات والمواقع العسكرية لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على التعبئة الاجتماعية؛ إذ يمكن للقوة المسلحة أن تحتفظ بوجودها التنظيمي، لكنها تفقد تدريجياً البيئة التي تمنحها القدرة على الصمود، خصوصاً عندما تتراكم المظالم وتتراجع الثقة بجدوى استمرار المواجهة.
– تصفية الشركاء.. من إقصاء الحمادي إلى تفكيك جبهة تعز:
ولا تنفصل الأزمة الراهنة عن الخلافات التي طغت على علاقة الإصلاح ببقية التشكيلات العسكرية في تعز خلال السنوات الماضية. فقد اتُّهم الحزب بتهميش خصومه داخل المعسكر المناهض لصنعاء، والدفع نحو احتكار القرار العسكري والسياسي، في مسار شمل خلافاته مع قيادة اللواء 35 مدرع السابق، عدنان الحمادي، الذي اغتيل عام 2019، وما أعقب ذلك من صراعات على النفوذ في مناطق الحجرية وتفكيك أجزاء من البنية العسكرية المرتبطة باللواء.
وامتدت الخلافات إلى تشكيلات أخرى، بينها كتائب أبو العباس ومجموعات مسلحة منافسة، في سياق أضعف، بحسب منتقدي الحزب، فرص بناء جبهة عسكرية متماسكة تتجاوز الانتماءات الحزبية والحسابات الشخصية. وبدلاً من توحيد القوى وتوزيع الأدوار وفق متطلبات المواجهة، تحولت أجزاء من المعسكر الموالي للتحالف إلى ساحة تنافس على النفوذ والموارد ومواقع السيطرة.
ورغم هيمنة الإصلاح على جانب مهم من قوات محور تعز، وإنشاء تشكيلات عسكرية إضافية، من بينها محور طور الباحة، فإن هذه التوسعات لم تمنع تتابع الانتكاسات الميدانية. كما تثار اتهامات بشأن الفساد في هيكلة بعض التشكيلات، ووجود أسماء وهمية وعناصر لا تمتلك الجاهزية القتالية المطلوبة، وهي ادعاءات تحتاج إلى تدقيق مستقل، لكنها تعكس جانباً من أزمة الثقة في كفاءة البنية العسكرية الموالية للحزب.
– احتكار القرار.. تعز رهينة الصراع على النفوذ:
وعلى المستوى السياسي، تصاعدت خلافات الإصلاح مع قوى حزبية ومكونات اجتماعية في تعز، بينها المؤتمر الشعبي العام والتنظيم الناصري والحزب الاشتراكي، وسط اتهامات للحزب بمحاولة احتكار تمثيل المدينة وقرارها السياسي.
وأسهم هذا المسار في تعميق الانقسامات داخل المعسكر المناهض لصنعاء، وحوّل التنافس بين مكوناته إلى عامل إضافي في إضعاف التنسيق العسكري.
وتزايدت حدة الاستقطاب مع محاولات قوى أخرى، بينها تيار المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، التأثير في موازين القوى بالمحافظة ومحيطها، قبل التطورات التي شهدتها جبهة الساحل الغربي في سبتمبر الماضي، وفق السياق الوارد في التقارير المحلية. وهكذا تداخلت الحسابات الحزبية والعسكرية مع التنافس على النفوذ، بينما بقيت الأولويات الأمنية والمعيشية للسكان في مرتبة متأخرة.
وفي هذا السياق، يثير انسحاب القوات الموالية للإصلاح من مواقع في الحجرية تساؤلات بشأن طبيعة القرار العسكري وأولوياته، خصوصاً مع اعتبار المنطقة خط دفاع متقدماً عن مدينة تعز. ويرى منتقدون أن ترك هذه المواقع أتاح لقوات صنعاء توسيع الضغط الميداني، بينما يتهم آخرون قيادة الحزب بالسعي إلى حصر المواجهة في محيط المدينة، بما يرفع كلفة أي تقدم عسكري عليها ويمنحها مساحة لتوظيف التداعيات الإنسانية والسياسية. وتظل هذه التفسيرات تقديرات متداولة لا يمكن الجزم بدوافع الانسحاب من دون أدلة مستقلة.
تحليل:
ما يجري في تعز ليس مجرد تراجع عسكري لحزب الإصلاح، بل اختبار قاسٍ لبنية نفوذ تشكلت على مدى سنوات، واعتمدت على السيطرة على القرار الأمني والعسكري أكثر مما اعتمدت على بناء توافق محلي واسع.
وعندما تتراجع الثقة الشعبية، وتتآكل العلاقات مع الشركاء، وتتعثر القدرة على الدفاع عن خطوط التماس، تصبح السيطرة السابقة عبئاً على أصحابها؛ إذ تتحول المواقع التي كانت مصدر نفوذ إلى جبهات مكلفة، وتتحول التشكيلات التي جرى توسيعها إلى سؤال مفتوح عن الجاهزية والفاعلية. ومع ذلك، فإن تحديد المسؤولية عن الانهيارات يقتضي التمييز بين الوقائع الميدانية والاتهامات السياسية المتبادلة.
أما الموقف السعودي، فيشير إلى أن الرياض باتت تراجع جدوى الرهان على الإصلاح، أو على الأقل تعيد حساب كلفة دعمه ومخاطر استمرار الاعتماد عليه. وهنا تتجاوز الأزمة حدود العلاقة بين ممول وقوة محلية؛ لتكشف هشاشة التحالفات التي تُبنى على تقاطع المصالح المؤقتة، لا على مؤسسات عسكرية منضبطة وشراكة سياسية متماسكة. فحين تصبح الأسلحة موضع شك، والقيادات موضع مساءلة، والجبهات تتهاوى، فإن المشكلة لا تعود في نقص الإمداد وحده، بل في منظومة كاملة لم تستطع تحويل سنوات الدعم والنفوذ إلى قدرة مستدامة على الصمود.
والأخطر أن سكان تعز يجدون أنفسهم أمام نتائج صراع تتداخل فيه حسابات الحزب والرياض والقوى المنافسة، بينما تتقدم المواجهة على حساب أمنهم وحياتهم اليومية. وبينما يحاول كل طرف تحميل الآخر مسؤولية التراجع، تبرز حقيقة استراتيجية لا يمكن تجاهلها: إن احتكار القرار لا يصنع جبهة متماسكة، وإن امتلاك السلاح لا يعوّض خسارة الثقة، وإن الحليف الذي يُترك عند أول اختبار يكشف حدود التحالف الذي استند إليه.