مستغلة هزائمها شمالاً وغرباً.. الإمارات تحتفل بطرد السعودية من اليمن برفع صور ابن زايد والزبيدي..!
أبين اليوم – خاص
شهدت المحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن، الأربعاء، تظاهرات حاشدة لأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي للإمارات، في تحرك سياسي لافت يتزامن مع تصاعد الضغوط العسكرية على السعودية في شمال البلاد وغربها، ويكشف عن محاولة إماراتية لاستثمار المأزق السعودي وإعادة فرض مشروع الانفصال على طاولة الصراع اليمني.
وشارك آلاف من أنصار المجلس الانتقالي، بقيادة عيدروس الزبيدي، في تظاهرات شهدتها عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى، رُفعت خلالها صور الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، إلى جانب صور الزبيدي الذي تطالب السعودية بملاحقته، في مشهد حمل رسائل سياسية مباشرة إلى الرياض، خصوصاً أن صور الأمراء السعوديين غابت عن التظاهرات للمرة الأولى.
وتكتسب هذه التحركات أهميتها من كونها الأولى من نوعها منذ الحملة العسكرية التي شنتها السعودية مطلع العام الجاري ضد المجلس الانتقالي ورئيسه، والتي طالت تداعياتها أيضاً أرتالاً عسكرية إماراتية في المكلا، شرقي اليمن.
وظلت تظاهرات الانتقالي، ولا سيما تلك التي يدعو إليها الزبيدي أو ترفع صوره، محظورة خلال الأشهر العشرة الماضية، وسط إجراءات سعودية هدفت إلى احتواء نفوذ التيار المدعوم إماراتياً ومنعه من استعادة زمام المبادرة في الشارع الجنوبي.
ولم يصدر عن السعودية رد معلن على التظاهرات الجديدة، رغم أنها ظلت تعمل على قمع تحركات مماثلة خلال الأشهر الماضية.
وجاءت هذه التظاهرات بالتزامن مع ذكرى ثورة 14 أكتوبر ضد الاحتلال البريطاني، التي انطلقت شرارتها من جبال ردفان في ستينيات القرن الماضي، وشارك فيها ثوار من شمال اليمن وجنوبه، بما يمنح التحركات الحالية دلالات تتجاوز التعبئة الجماهيرية إلى محاولة توظيف الذاكرة التاريخية في معركة الهوية والشرعية السياسية.
وتزامن هذا التصعيد مع تطورات ميدانية في شمال اليمن وغربه، قالت مصادر سياسية إنها ألحقت بالسعودية انتكاسات متلاحقة، وانتهت بطرد قواتها وتحشيداتها من مناطق عدة، بما فيها مواقع في الساحل الغربي وباب المندب. وفي هذا السياق، بدت التظاهرات وكأنها احتفاء بتراجع النفوذ السعودي، ورسالة بأن الضغوط التي تواجهها الرياض في جبهات الشمال والغرب تفتح المجال أمام أبوظبي لإعادة تحريك أوراقها في الجنوب.
وتأتي هذه التحركات رغم التقارب السعودي الإماراتي الذي استؤنف مؤخراً في ظل المأزق اليمني الذي تواجهه الرياض. غير أن دفع أنصار أبوظبي إلى الشارع ورفع سقف مطالبهم يوحيان بأن التقارب بين الطرفين لا يعني بالضرورة إنهاء التنافس على النفوذ، بل قد يمثل محاولة لإدارة الخلاف مؤقتاً، بانتظار اتضاح موازين القوى على الأرض. وكانت السعودية تعارض مشروع الانفصال وتتمسك بتصور لتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، في مقابل المشروع الذي يتبناه الانتقالي لإقامة دولة جنوبية مستقلة.
– الزبيدي يرفع سقف المواجهة:
وسبق التظاهرات ظهور متلفز لعيدروس الزبيدي من مقر إقامته في العاصمة الإماراتية أبوظبي، في أول خطاب من نوعه منذ اختفائه مطلع العام، وبعد أن أصبح ظهوره محظوراً في سياق المواجهة مع الرياض.
وطرح الزبيدي شروطاً وصفها مراقبون بالمعقدة، في مقدمتها حل مجلس القيادة الرئاسي، متجاهلاً اتفاق الرياض المبرم بين القوى اليمنية، وما انبثق عنه من ترتيبات سياسية. وبدلاً من ذلك، تمسك بالإعلان الدستوري الذي سبق أن أعلنه قبل فراره من عدن، والمتضمن مشروع تأسيس دولة تحت مسمى “الجنوب العربي”.
كما اشترط اعتراف السعودية بدولته على حدود عام 1990، والتعامل معها على أساس الندية، لا التبعية. وهي مطالب تعيد الصراع إلى نقطة تتجاوز الخلاف على تقاسم السلطة داخل المؤسسات القائمة، لتضع مستقبل الوحدة اليمنية وشكل الدولة في قلب المواجهة.
ورغم أن الزبيدي استعرض في خطابه حدود ما كان يُعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فإن خبراء قرأوا ذلك بوصفه رسالة إلى الرياض مفادها أن المواجهة معه لن تكون مفتوحة خارج الحدود التي يطالب بها لدولته، في إشارة إلى أن الرهان السعودي على جرّ الانتقالي إلى معارك شمالية قد يصطدم بتمسكه بأولوياته الانفصالية.
وفي المقابل، تتجه السعودية، وفق تقديرات سياسية، إلى محاولة إعادة تشكيل المشهد العسكري عبر دفع فصائل جنوبية إلى الانخراط في معارك الشمال، بالتوازي مع تحركات مع بريطانيا لترتيب مسار انفصال جنوب اليمن.
وإذا صحت هذه التقديرات، فإن الرياض لا تسعى فقط إلى احتواء خسائرها الميدانية، بل إلى إعادة توزيع أعباء المواجهة على قوى محلية، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الداخلي.
تحليل:
الرياض التي أرادت إخضاع الجنوب لمعادلتها تجد نفسها اليوم أمام شارع يرفع صور محمد بن زايد، وزعيم انفصالي يضع حل مجلس القيادة الرئاسي والاعتراف بدولته شرطاً لأي تفاهم. إنها صفعة سياسية تكشف أن السعودية، كلما انشغلت بترميم هزائمها شمالاً وغرباً، خسرت مزيداً من قدرتها على ضبط حلفائها جنوباً، فيما تتحرك أبوظبي لقطف ثمار المأزق السعودي وتوسيع نفوذها على حساب شريكها المفترض. فما عجزت الرياض عن حسمه بالقوة، باتت أبوظبي توظفه لإعادة رسم موازين النفوذ.
والأخطر أن تقاطع التحركات الانفصالية مع محاولات جرّ الفصائل الجنوبية إلى معارك الشمال يثير شبهة إعادة هندسة الحرب، لا إنهائها؛ إذ تُدفع القوى المحلية إلى استنزاف بعضها بعضاً، بينما تتصارع الرياض وأبوظبي على الجغرافيا والثروة والموانئ، وتُطرح خرائط التقسيم بوصفها مخارج سياسية لأزمة صنعتها التدخلات الخارجية نفسها.
وهنا لا يعود الانفصال مجرد شعار محلي، بل يتحول إلى ورقة ابتزاز متبادل، تُرفع كلما اختل ميزان القوة، ويُدفع اليمنيون إلى تسديد فاتورتها دماً ودماراً.
إنها مفارقة حرب الوصاية: السعودية تريد جنوباً تابعاً، والإمارات تريد جنوباً منفصلاً يدين لها بالنفوذ، وكلاهما يتعامل مع اليمن بوصفه مساحة لتقاسم المصالح لا وطناً لشعب.
وبين هذا وذاك، لا تُصنع التسويات بقدر ما تُفخخ الجغرافيا وتُعاد تعبئة الخصومات. وحين يصبح الحليف خصماً، والشارع أداة ضغط، والانفصال سلاحاً في صراع العواصم، فإن ما يتآكل ليس نفوذ الرياض وحده، بل فرص اليمنيين في الإفلات من حرب تُدار بأسمائهم وتُحصد نتائجها لمصلحة الآخرين.