“عدن“| الانتقالي يصعّد استهداف النازحين.. منع تأجير المنازل للشماليين وتحويل النزوح إلى قضية أمنية..!
أبين اليوم – خاص
كشفت مصادر حقوقية عن تصعيد جديد في الإجراءات التي تتخذها السلطات الأمنية في مدينة عدن، جنوبي اليمن، بحق النازحين القادمين من المحافظات الشمالية، في خطوة تثير مخاوف من اتساع نطاق التمييز المناطقي وتحويل معاناة المدنيين الفارين من التصعيد العسكري إلى ذريعة لفرض قيود على إقامتهم.
وقالت المصادر إن مدير قسم شرطة منطقة العريش أصدر، الأربعاء، مذكرة موجّهة إلى رؤساء اللجان المجتمعية في المنطقة، تتضمن توجيهات بمنع تأجير المنازل والشقق السكنية للنازحين القادمين من مناطق الساحل الغربي ومحافظة تعز، على خلفية التصعيد العسكري الذي تشهده تلك المناطق.
وبحسب المصادر، تضمنت المذكرة توجيهاً بجمع النازحين في “أماكن مخصصة”، وإلزامهم بالتوجه إليها، في إجراء اعتبرته المصادر شكلاً من أشكال التعسف والتمييز بحق المدنيين على أساس مناطق قدومهم، بدلاً من التعامل معهم بوصفهم أشخاصاً اضطروا إلى مغادرة مناطقهم هرباً من المخاطر الأمنية.
ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع إجراءات بدأت فصائل المجلس الانتقالي الجنوبي اتخاذها خلال الأيام الماضية، لمنع نازحين قادمين من المحافظات الشمالية من دخول عدن، وسط تصاعد حملات التحريض التي يشنها ناشطون ووسائل إعلام موالية للمجلس الانتقالي ضد النازحين.
وتثير هذه الإجراءات مخاوف من انتقال التضييق من منع الدخول إلى تقييد السكن والإقامة، بما يضع النازحين أمام خيارات قاسية، في ظل ظروف إنسانية وأمنية دفعتهم إلى مغادرة مناطقهم، ويهدد بتوسيع دائرة الانتهاكات على خلفية الانتماء المناطقي.
تحليل:
لا تكمن خطورة ما يجري في عدن في منع تأجير منزل أو إصدار مذكرة أمنية فحسب، بل في تحويل النزوح من حالة إنسانية تستوجب الحماية إلى شبهة مناطقية تستدعي العزل والتقييد.
فعندما يُحرم المدني من حقه في السكن بسبب المنطقة التي قدم منها، يصبح الانتماء الجغرافي معياراً للمعاملة، وتتراجع المواطنة أمام منطق الفرز والاشتباه الجماعي. هذه المذكرة تطرح أسئلة جدية بشأن الأساس القانوني لهذه الإجراءات، والجهة التي تملك صلاحية فرضها، ومدى توافقها مع حقوق النازحين.
والأخطر أن تزامن القيود الأمنية مع حملات التحريض الإعلامي يفتح الباب أمام صناعة بيئة اجتماعية تتقبل التمييز وتتعامل معه بوصفه إجراءً طبيعياً.
فالحملات التي تبدأ بتصنيف الناس إلى شماليين وجنوبيين قد تنتهي بتبرير حرمان فئة كاملة من حقوقها الأساسية، فيما يتحول المدنيون الفارون من مناطق التوتر إلى كبش فداء لصراعات القوى المسيطرة على الأرض.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بمن يُسمح له بدخول عدن فحسب، بل بمن يملك حق الإقامة فيها، ومن يمنح نفسه سلطة تحديد هذا الحق على أساس الهوية والمنطقة.
إن كانت عدن تُدار بمنطق الأمن والقانون، فلا يجوز أن يتحول عنوان النازح إلى تهمة، ولا أن يصبح عقد الإيجار امتيازاً تمنحه السلطات لمن تشاء وتحجبه عمّن تشاء.
فالأمن الذي يعجز عن التمييز بين المدني والمسلح، ويلجأ إلى معاقبة الناس جماعياً بسبب مناطقهم، لا يعالج أسباب الخوف، بل يعيد إنتاجها. أما تحويل المأساة الإنسانية إلى أداة للفرز المناطقي، فهو لا يحمي المدينة من الانقسام، بل يزرع الانقسام في قلبها، ويكشف أن أخطر ما يواجه النازحين ليس فقدان منازلهم فحسب، وإنما فقدان حقهم في العثور على مأوى آمن.