عزوف دولي وتأجيل القمم.. هجمات اليمن تضرب صورة الأمان السعودي وتُربك أجندة الرياض الدبلوماسية..!

5٬997

أبين اليوم – خاص 

في مؤشر جديد على تداعيات التصعيد العسكري بين صنعاء والرياض، أعلنت السعودية تأجيل فعاليات دولية كان مقرراً أن تستضيفها المملكة، وسط تصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة بالهجمات اليمنية، وتزايد التساؤلات بشأن قدرة الرياض على توفير بيئة آمنة للوفود والمسؤولين الدوليين.

وأعلن مجلس التعاون الخليجي، الخميس، تأجيل القمة التي كان من المقرر عقدها بين المجلس والاتحاد الأوروبي في الرياض يوم 24 أكتوبر الجاري، إلى موعد آخر يجري التوافق عليه لاحقاً بين الجانبين الخليجي والأوروبي. وربطت المعطيات المعلنة التأجيل باستمرار التهديدات اليمنية ضد المملكة، إلى جانب تمديد تعليق العمليات في مطار الملك خالد الدولي.

ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه السلطات السعودية الإيحاء بأن الأوضاع داخل المملكة تسير بصورة طبيعية، رغم التطورات الأمنية المتصاعدة. غير أن تأجيل استحقاقات دولية بهذا المستوى يضع هذه الرواية أمام اختبار صعب، خصوصاً أن استضافة القمم والفعاليات الكبرى ترتبط بقدرة الدولة المضيفة على ضمان سلامة المشاركين واستقرار حركة النقل والمرافق الحيوية.

ويرى مراقبون أن تأجيل الفعاليات قد يعكس، إلى جانب الاعتبارات التنظيمية والسياسية المحتملة، تراجعاً في هامش الثقة بالبيئة الأمنية السعودية، وإن كان تحديد ما إذا كان القرار ناجماً عن عزوف مباشر من المسؤولين الأوروبيين يتطلب معلومات موثقة عن مداولات التأجيل وأسبابه الفعلية.

وفي سياق متصل، تشير المعطيات الواردة بشأن منظومة الإنذار المبكر في المملكة إلى أن السلطات السعودية أوقفت تشغيلها منذ 29 سبتمبر الماضي، قبل أن تعيد تشغيلها الاثنين الماضي، وسط حديث عن ضغوط مارستها بعثات دبلوماسية. وإذا تأكدت هذه التفاصيل، فإنها تثير تساؤلات بشأن تقديرات المخاطر الأمنية، ومدى تأثيرها في حسابات البعثات الأجنبية والمقيمين.

وكانت قوات صنعاء قد أعلنت أن الأجواء السعودية لم تعد آمنة، باستثناء الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، في سياق تصعيد تقول إنه يهدف إلى رفع الحصار ووقف الحرب على اليمن.

– تحليل:

أولاً: من استعراض الاستقرار إلى اختبار المصداقية:

تواجه الرياض معضلة تتجاوز تأجيل قمة أو اضطراب جدول فعاليات دولية؛ فالقوة التي تسعى إلى تقديم نفسها مركزاً إقليمياً للأعمال والاستثمار والدبلوماسية تحتاج إلى ما هو أبعد من الحملات الترويجية والرسائل الرسمية: تحتاج إلى إقناع شركائها بأن المخاطر الأمنية تحت السيطرة.

وعندما تتزامن التهديدات العسكرية مع اضطراب حركة الطيران وتأجيل استحقاقات دولية، تصبح صورة الاستقرار نفسها جزءاً من معركة سياسية ونفسية.

ثانياً: المعضلة السعودية ليست في الضربة وحدها، بل في كلفتها الاستراتيجية:

تستطيع الدول التعامل مع الهجمات العسكرية عبر إجراءات الدفاع والاحتواء، لكن التحدي الأكبر يظهر عندما تبدأ المخاطر في التأثير على حركة المسؤولين، وجدولة الاجتماعات، وتشغيل المطارات، وحسابات المؤسسات الأجنبية. عندها تنتقل المواجهة من ميدانها العسكري المباشر إلى ميدان أوسع تتداخل فيه السمعة السياسية والجدوى الاقتصادية والثقة الأمنية.

وإذا تكررت هذه الاضطرابات، فقد تجد الرياض نفسها أمام كلفة تتجاوز الأضرار المادية إلى اضطرارها لإعادة حساب أولوياتها الأمنية والدبلوماسية، فيما تظل استضافة الفعاليات الدولية اختباراً عملياً لقدرتها على احتواء التصعيد.

ثالثاً: حين تتحول الجغرافيا إلى ورقة ضغط:

تراهن صنعاء، وفق خطابها المعلن، على أن توسيع نطاق التهديدات سيجعل استمرار الحرب والحصار مكلفاً للرياض، ولن يقتصر أثره على المنشآت المستهدفة، بل سيمتد إلى حسابات الأمن والاستثمار والعلاقات الدولية.

وفي المقابل، تحاول السعودية الحفاظ على معادلة مزدوجة: احتواء التهديدات ميدانياً، ومنع انعكاسها على صورتها بوصفها دولة مستقرة وقادرة على استضافة العالم. وهنا تتحدد خطورة التصعيد: ليس في عدد الضربات وحده، بل في قدرة كل طرف على فرض كلفته على الطرف الآخر.

الخلاصة.. أن الرياض قد تستطيع إدارة تداعيات أمنية مؤقتة، لكن إدارة الانطباع الدولي تصبح أكثر صعوبة كلما اتسعت الفجوة بين الرسائل الرسمية والوقائع الميدانية. فإذا كانت تأجيلات الفعاليات مرتبطة فعلاً بالمخاطر الأمنية، فإنها تمثل إنذاراً سياسياً لا يجوز الاستهانة به؛ أما إذا كانت لها أسباب أخرى، فإن تحويلها إلى دليل قاطع على عزوف دولي شامل سيكون استنتاجاً يتجاوز ما تثبته الوقائع المتاحة.

وفي الحالتين، يبقى الاختبار الحقيقي أمام السعودية هو قدرتها على معالجة أسباب التصعيد، لا الاكتفاء بمحاولة إقناع الآخرين بأن تداعياته غير موجودة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com