“تقرير“| عرب جورنال: السعودية واليمن: اصطدام الهيمنة بإرادة الاستقلال الوطني..!

7٬885

أبين اليوم – خاص 

تقرير/ توفيق سلَّام:

لم تعد المسألة مجرد تصعيد عسكري أو تحذيرات متبادلة، بل باتت تتصل بسؤال أعمق يفرض نفسه على صانع القرار السعودي إلى متى يمكن الاستمرار في إدارة العلاقة مع اليمن بمنطق القوة والنفوذ والضغط والحصار والتدخل في الشؤون الداخلية؟ وهل تدرك الرياض أن السياسات التي اعتادت من خلالها فرض نفوذها على محيطها الإقليمي قد تتحول إلى عبء استراتيجي يستنزف أمنها واقتصادها واستقرارها؟

المفارقة التي تستحق التأمل أن الدولة التي امتلكت لسنوات طويلة نفوذاً واسعاً في الإقليم، واستطاعت التأثير في مسارات أزمات عربية عديدة، تجد نفسها أمام ملف يمني لم تنجح سنوات الحرب في إغلاقه. فالقوة العسكرية والموارد المالية والعلاقات الدولية لم تنتج، حتى الآن تسوية تنهي الصراع وتضمن الاستقرار الذي ترفض الرياض السلام. وهنا تكمن المفارقة، فليس كل من يملك أدوات القوة قادراً على تحويلها إلى نصر سياسي، وليس كل من يتعرض للضغط يفقد القدرة على الصمود أو فرض معادلات جديدة.

والمواجهة قد تتسع أكثر، وصعوبة حصر تداعياتها ليس في الساحة اليمنية وحدها، وإنما في العمق السعودي وفي مفاصلها الحيوية. وعلى النخب السياسية والفكرية السعودية، وعلى دوائر صنع القرار داخل المملكة، أن تعيد قراءة تاريخ العلاقة مع اليمن بعيداً عن أوهام التفوق المطلق. فاليمن ليس فراغاً جغرافياً يمكن احتلاله أو ملؤه بالقواعد العسكرية، ولا ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل السلطة وفق حسابات الجوار، ولا شعباً يمكن إخضاع إرادته إلى ما لا نهاية بالحصار والضغط الاقتصادي والتدخل العسكري.

منذ الحرب الحدودية عام 1934، ظلت العلاقة بين البلدين محكومة بملفات تاريخية معقدة، في مقدمتها الحدود والأراضي المتنازع عليها وتوازنات النفوذ. ثم جاءت العقود اللاحقة بما حملته من صراعات وتدخلات وتنافس على القرار اليمني، لتترك ندوباً وجروحاً ثقيلة وآثاراً عميقة في الثقة المتبادلة. ولا يمكن فهم الأزمة الراهنة بمعزل عن هذا الإرث المؤلم، وإن كانت لكل مرحلة ظروفها وأطرافها وحساباتها المختلفة.

لقد بنت السعودية جانباً من نفوذها الإقليمي على شبكة من التحالفات السياسية والمالية، وعلى قدرتها على التأثير في موازين القوى داخل دول الجوار فانهكت الكثير منها. لكن النفوذ الذي يقوم على هشاشة المؤسسات الوطنية والانقسامات الداخلية يظل نفوذاً قابلاً للاهتزاز؛ لأن ما يبدو استقراراً في لحظة معينة قد يكون مجرد تأجيل لانفجار التناقضات.

ولم تكن اليمن بمنأى عن هذه السياسات. فقد أفضى التدخل العسكري الذي قادته السعودية في 26 مارس 2015 إلى حرب طويلة، رافقتها خسائر بشرية واسعة وتدمير للبنية التحتية وأزمة إنسانية واقتصادية عميقة، وفق ما وثقته الأمم المتحدة.

كما أدى نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن عام 2016 إلى انقسام المؤسسة النقدية، وتعقدت معه إدارة السياسة المالية والنقدية، وتدمير مقدرات الدولة في بلد أنهكته الحرب، وفي الجنوب، تعاظم نفوذ القوى المدعومة من الخارج، وتعددت التشكيلات العسكرية والأمنية، وتباينت المشاريع السياسية بين من يدعو إلى وحدة اليمن ومن يدفع باتجاه انفصاله، والاستيلاء على الموارد والثروات وإنشاء قواعد عسكرية وتوظيف الموانئ والجزر لخدمة أجندات خارجية.

والنتيجة الأوضح أن اليمن لم يخرج من الحرب دولة مستقرة موحدة، وأن السعودية لم تحقق من تدخلها تسوية نهائية تضمن لها حدوداً آمنة وجواراً مستقراً. وبين هاتين الحقيقتين تتكشف كلفة سياسة راهنت على القوة العسكرية أكثر مما راهنت على بناء علاقة متوازنة مع اليمن.

المعضلة التي تواجه الرياض اليوم ليست في عدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة وحدها، بل في طبيعة المعادلة التي فرضتها الحرب. فكلما اتسعت دائرة الاستهداف، ارتفعت كلفة حماية المطارات والمنشآت الاقتصادية والطاقة والملاحة الجوية والبحرية، وتزايدت المخاطر التي تواجه حركة التجارة والاستثمار والسياحة. وقد أظهرت الهجمات الأخيرة على مطار الملك خالد في الرياض، وفق التقارير المنشورة في 10 أكتوبر 2026، أن التصعيد بات يحمل تداعيات مباشرة على حركة الطيران والملاحة الجوية بشكل عام.

وهنا ينبغي أن تدرك النخب السعودية أن الأمن لا يُقاس بما تملكه الدولة من أسلحة متطورة فحسب، وإنما بقدرتها على تجنب الحرب التي تستنزف تلك الأسلحة والموارد، وتفتح جبهات جديدة، وتضع مصالح السكان والمنشآت الحيوية في دائرة الخطر.

امتلاك اليمن لقدرات عسكرية تستطيع الوصول إلى أهداف داخل العمق السعودي، إذا استمر واتسع نطاقه، يفرض على الرياض حسابات مختلفة عن تلك التي حكمت بداية الحرب. فالمواجهة ستؤدي بالضرورة إلى انهيار الاقتصاد السعودي. فالحرب لا تُحسم بالتصريحات وحدها ولا بالتهديد ولا بالتدخلات الخارجية، ولا بالمناورة ولا بفرض تسوية سياسية مؤقتة وغير مستقرة.

ولا يخيف اليمن اتساع الحرب التي قد تستدعي تدخلات دولية وإقليمية إضافية، لتحويل الأراضي اليمنية إلى ساحة لتصفية حسابات أوسع. وعندئذ لن تكون الكلفة محصورة في اليمن، بل في المفاصل الرئيسة للمملكة وستمتد إلى التجارة الإقليمية وأمن الملاحة وأسواق الطاقة العالمية.

الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى صانع القرار السعودي هي أن زمن إدارة اليمن باعتباره مجالاً تابعاً لنفوذ المملكة يجب أن ينتهي، وأن ترفع يدها، وتدع اليمنيين وشأنهم، وأن تنفذ شروط السلام. فلا تستطيع الرياض أن تطالب بأمن حدودها، ثم تتجاهل حق اليمنيين في الأمن والسيادة والاستقلال عن التدخلات الخارجية.

ولا يمكن بناء جوار مستقر على معادلة يكون فيها أمن طرف حقاً مطلقاً، بينما يُترك أمن الطرف الآخر رهناً بموازين القوة.

الطريق إلى تسوية قابلة للاستمرار يبدأ بوقف التصعيد، وإنهاء القيود التي تمس حياة المدنيين والاقتصاد اليمني، ووقف التدخلات التي تعرقل استقلال القرار الوطني، والانسحاب من أي وجود عسكري لا يستند إلى اتفاق مشروع ومقبول، واحترام سيادة اليمن ووحدته، ومعالجة الملفات العالقة عبر التفاوض، بما فيها القضايا الحدودية والحقوق المتعلقة بالأراضي والمنافذ والجزر والموارد.

ولا يكفي إعلان هدنة مؤقتة إذا بقيت أسباب الحرب قائمة، أو إذا تحولت الوساطة العُمانية إلى مجرد وسيلة لالتقاط الأنفاس استعداداً لجولة جديدة. المطلوب مسار سياسي واضح، بضمانات متبادلة، يعالج جذور النزاع ويمنع استخدام النفوذ السعودي منصة للإضرار باليمن، كما يمنع استخدام القوة أداة لفرض الوصاية على اليمن، ومراجعة السياسات تجاه اليمن ليست تنازلاً عن الكرامة الوطنية، بل شرط لحماية المصالح السعودية نفسها.

الدولة التي تعرف متى تتراجع عن سياسة فاشلة لا تفقد بالضرورة قوتها؛ بل قد تستعيد قدرتها على توظيفها في الاتجاه الصحيح. أما الإصرار على خيارات ثبتت كلفتها، لمجرد الخشية من الاعتراف بأخطائها، فيمكن أن يحول النفوذ إلى عبء، والحدود إلى جبهة استنزاف، والجوار إلى مصدر دائم للتهديد. واليمن، مهما بلغت أزماته الداخلية، ليس أرضاً بلا تاريخ أو إرادة، ولا يمكن اختزال مستقبله في حسابات العواصم الأخرى. لكن استقلاله الحقيقي لن يتحقق بمجرد إلحاق الخ

عرب جورنال

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com