عطوان: لماذا لن يقبل بوتين “ثورةً مُلوّنة” أُخرى تُطيح بحُلفائه في كازاخستان.. وتِكرار الدّرس الأوكراني؟ وهل لهذا السّبب أيّده الزعيم الصيني فورًا؟ وكيف كانت استِشارات توني بلير أحد مُؤشّرات الفساد والتّمهيد للاحتِجاجات في البِلاد؟ وماذا بعد الاحتِجاجات؟

4٬624

بقلم/ عبد الباري عطوان

لماذا لن يقبل بوتين “ثورةً مُلوّنة” أُخرى تُطيح بحُلفائه في كازاخستان.. وتِكرار الدّرس الأوكراني؟ وهل لهذا السّبب أيّده الزعيم الصيني فورًا؟ وكيف كانت استِشارات توني بلير أحد مُؤشّرات الفساد والتّمهيد للاحتِجاجات في البِلاد؟ وماذا بعد الاحتِجاجات؟

بقلم/ عبد الباري عطوان

تُجَسِّد الاحتِجاجات الشعبيّة الغاضبة التي سادَت مُعظم مُدن كازاخستان، وتصدّت لها قوّات الأمن الحُكوميّة بالقمع والرّصاص الحي، أحد فُصول الصّراع المُتفاقم حاليًّا بين المحور الروسي الصيني من ناحية، والمحور الغربي بزعامة الولايات المتحدة من ناحيةٍ أُخرى على مناطق النّفوذ سواءً في أوروبا الوُسطى (أوكرانيا) أو آسيا الوُسطى (كازاخستان).

كازاخستان التي تعتبر تاسِع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وتملك أكبر احتِياطات نفطيّة في منطقة بحر قزوين، وتُنتج 1.1 مليون برميل يوميًّا، ولا يزيد عدد سكّانها عن 19 مليون نسمة مُعظمهم من المُسلمين، كازاخستان باتت ضحيّة أمرين أساسيين:

الأوّل المُوقع الجُغرافي الاستراتيجي الذي حصرها بين قوّتين عُظميين هُما الصين وروسيا، والثاني الزواج شبه الكاثوليكي بين الفساد ونظام الحُكم الديكتاتوري المُستبد وغير الرّشيد.

الاحتِجاجات بدأت سلميّة ولمُعارضة غلاء المعيشة، وتفاقم مُعدّلات الفقر في دولةٍ تُعتَبر من أغنى دول وسط آسيا، وارتفاع معدّلات البِطالة، والفساد الحُكومي، وهذه الوصفات، مُنفردة أو مُجتمعة، هي البوّابة الاوسع التي تتسلّل عبرها المُؤامرات الغربيّة، والأمريكيّة على وجه الخُصوص، وتفجير الثورات في الدّول غير الحليفة.

أمريكا تُريدها “ثورةً مُلوّنة” لإشغال روسيا عن أوكرانيا، وتحويل قوّاتها واهتِماماتها إلى كازاخستان، حليفتها الأبرز، والأكثر استِقرارًا في المنطقة، وكادت أن تنجح في مُخطّطها هذا، لولا سُرعة التحرّك الروسي الذي تمثّل في الاستِجابة لنِداء الإغاثة الذي وجّهه إليها، الرئيس الكازاخستاني قاسم جومرت توكاييف وإرسال أكثر من ألفيّ جندي دفعة أُولى باعتِبارها، أيّ روسيا، زعيمة مُعاهدة الأمن الجماعي، الذي يَضُم ستّ دول من بينها كازاخستان وأرمينيا وبيلاروس وقرغيزستان، إلى جانب روسيا، وهي المنظّمة التي تُجَسِّد “ناتو مُصَغَّر” تملك قوّة تدخّل سريع تِعدادها 20 ألف جُندي وتأسّست عام 2009، بعد الاحتِلال الأمريكي للعِراق وأفغانستان.

الرئيس بوتين لن يسمح بنجاح “ثورة مُلوّنة” على غِرار نظيرتها السوريّة، وقبلها في أوكرانيا، تُؤدّي إلى قيام نظام مُوالي للغرب في خاصِرة روسيا الجنوبيّة، مهما كان الثّمن، والتصدّي بحَزمٍ للضّربات الأمريكيّة “تحت الحِزام” لحُلفائه في آسيا الوسطى، وهذا ما يُفَسِّر أيضًا مُسارعة الرئيس الصيني شي جين بينغ لسياسة القبضة الحديديّة التي اتّبعتها قوّات الأمن الكازاخستانيّة لقمع الاحتِجاجات واستِخدام الذّخيرة الحيّة، تطبيقًا لنهجها (الصين) في التّعامل مع احتِجاجات ميدان تيانانمن المُماثلة في بكين.

الرئيس نور سلطان نزار باييف الذي حكم كازاخستان لأكثر من 30 عامًا مُنذ استِقلالها بعد انهِيار الاتّحاد السوفييتي، بالحديد والنّار، وحوّلها إلى مزرعةٍ عائليّة، هو رمز الفساد في البِلاد، ويتحمّل المسؤوليّة الأكبر عن حالة البُؤس التي يعيشها مُواطنيها، ولعَلّ مُسارعة خليفته توكاييف بتخفيض أسعار الغاز عُنصر التّفجير للمُظاهرات والتعهّد بإجراء إصلاحات سياسيّة واقتصاديّة أحد أبرز الأدلّة على استِيعابه لدُروس الثّورات المُلوّنة السّابقة التي تقف خلفها أمريكا والدّول الغربيّة لمنع انجِرار البِلاد إلى مُستنقع الفوضى وعدم الاستِقرار والتفكّك.

بعض النظر عن النهاية التي ستؤول اليها هذه الاحتِجاجات، فإنّها علّقت الجرس، وعكست الإرادة والمطالب الشعبيّة المشروعة في الإصلاح السّياسي والاقتِصادي، وتحقيق العدالة والمُساواة، واجتِثاث الفساد من جُذوره.

أينما يحل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق (كان مُستشارًا لحُكومة الرئيس السّابق نزار باييف)، فهذا مُؤشّر على استِفحال الفساد وبداية التّمهيد للثورات المُلوّنة، بصُورةٍ أو بأُخرى، ولنا في “استِشاراته” للكثير من الدّول الخليجيّة وغير الخليجيّة، الكثير من الدّروس.. واللُه أعلم.