“ليلة اقتحام الكونغرس”.. ترامب يفضح عجز أميركا

367

بقلم / زهراء ديراني

الشعوب تسمرت أمام الشاشات، تتابع حدثاً استثنائياً، إنه ليس زمن المونديال، وإن كان في المشهد فريقان يتنافسان، ولا هؤلاء المتابعين هم عشاق المستديرة، بل إنه زمن تسلل فريق ترامب إلى باحات الكونغرس في وقت الانتخابات الضائع.

“ليلة اقتحام الكونغرس”.. ترامب يفضح عجز أميركا

تحلقت شعوب العالم أمس حول شاشات التلفزة، تسمرت أمامها بلا حراك، الأعين تتابع بشغفٍ ممزوجٍ بالدهشة حدثاً استثنائياً، الأفواه كُمَّت، والهدوء ساد في أرجاء المعمورة، وحدها أصوات المذيعين والمحللين والمراسلين تملأ الأرض ضجيجاً وصخباً. لا، إنه ليس زمن المونديال، وإن كان في المشهد فريقان يتنافسان، ولا هؤلاء المتابعين هم عشاق المستديرة، بل إنه زمن تسلل فريق ترامب إلى باحات الكونغرس في وقت الانتخابات الضائع.

في ليلة غير مسبوقة، اقتحم المئات من أنصار الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب مبنى الكونغرس خلال جلسة التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية وإعلان جو بايدن رئيساً للبلاد، واشتبكوا مع عناصر الشرطة، ثم اجتاحوا قاعة مجلس الشيوخ، وهنا بدأ العبث مباشرةً على الهواء؛ متظاهرٌ يحمل منبراً متنقلاً للتصريحات، ثم يبتسم لعدسة الكاميرا رافعاً شارة النصر، وآخر يناور، وذاك يغطي على مجموعته للتقدم باتجاه غرف الكونغرس، ثم يفتح عبوة مطافئ الحريق لتشتيت عناصر الشرطة، بينما يرمي أحدهم من على شرفة الكونغرس علم أميركا ويستبدله بآخر يحمل اسم “ترامب”، دقائق كانت كفيلةً بتحويل صرح أهم هيئة تشريعية في البلاد إلى ساحة حرب.

إنها أميركا “العظمى” التي صدّعت رؤوسنا بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وسوّقت لنفسها على أنها راعية السلام والأمن الدوليين، وفرضت على العديد من دول العالم سياساتها، إنها بلاد “العم سام” التي تتدخّل في كل شاردة وواردة، من رأس الهرم إلى جنس الجنين في رحم أمه. انظروا إليها اليوم، تتخبَّط داخل دائرة جنون ترامب وهمجيّة أنصاره، تتنازع فيما بينها وتتناحر، تتهشّم صورتها البراقة على يد أبنائها، وتنهار هيبتها المزيفة تحت أقدام مجموعة “براود بويز” العنصرية التي اعتقل زعيمها قبل يومين وبحوزته أسلحةً وذخائر. لطالما اعتادت الشعوب أن ترى هذه المشاهد في دولٍ أنظمتها مجرد ديكور، لكن أن نشاهد ذلك في أميركا، فهذا أمرٌ لا يدركه إلا خيال ترامب التدميري الذي نفَّذ تهديداته ” أنا ومن بعدي الطوفان”.

أميركا الحالمة بأمبراطورية النفط، كانت أمس الخبر العاجل، اكتسحت العناوين، احتلّت مشاهد خرابها الشاشات، أصبحت حدثاً وحديثاً تتناقله الألسن، إنها أميركا، سيدة هذه الأزمنة الموبوءة، تقترب من النار، وتقتات بعض العذاب الذي أذاقته للأمم والشعوب، إنها أميركا التي زرعت الرعب في النفوس، وأفرغت خزائن الدول، وقادت القتل في كل المجرات، وأضرمت فتيل العداوات في عرض القارات وطولها، وأشعلت الحروب الخاسرة الرخيصة في كل البقاع، ها هي اليوم تجني ما زرعته يداها من غطرسة وجبروت، وتذوق طعم الخراب والموت.

أمام هذا المشهد العبثي، تفقد الولايات المتحدة تدريجياً بوصلتها، الأحداث فيها تزداد تعقيداً، فما تشهده اليوم من انقسام داخلي وانشطارٍ عامودي في مجتمعها ليس وليد اللحظة، وإنما هو نتاجُ سياساتها الاستعمارية تجاه دول العالم التي دمرتها وفرّقت شعوبها وسرقت خيراتها. فمنذ الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة، لم تغزو القوات الأميركية بلداً إلا وقسمته، ولم تضع يدها على ثروةٍ إلا ونهبتها، ولم تدخل بين شعب موحدٍ إلا وفرقته.

من حرب الكوريتين عام 1951 التي انتهت بتقسيم الشعب الكوري ما بين شمالي وجنوبي، إلى جرائمها التي لن تُمحى من سجلات التاريخ في فيتنام على مدى عقدين من الزمن، فسياساتها في أميركا الجنوبية من عقوبات وحصار واغتيالات ومؤامرات إنقلابية، ثم تحويلها الصومال إلى دويلات متنازعة ومقر للقراصنة والتطرف والفقر والمجاعة، ومنها إلى أفغانستان التي أشعلت فيها حرباً أهلية لم تخمد نيرانها حتى الآن.

ومن الساحة الأفغانية تطلّ على غزو العراق عام 2003، وإشعالها الحرب الطائفية، وصناعة تنظيم داعش، فبلطجتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في أكثر من دولة عربية وعلى رأسها ليبيا، وقيادتها للحرب على سوريا وتمويلها الإرهاب، ومشاركتها في حرب التحالف السعودي على اليمن، والأهم دورها التاريخي في مساندة “إسرائيل” ودعمها لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره وسرقة أرضه واستباحة مقدساته، أما الجريمة الكبرى المتواصلة منذ أشهرٍ فهي اقتيادها ملوك ورؤساء دول عربيةٍ وخليجيةٍ كالنعاج إلى حظيرة التطبيع.

متابعو كبار المحلّلين الأميركيين مثل توماس فريدمان، منظر العولمة الأشهر، سيدركون حجم الخطر الذي يحوم في سماء الولايات المتحدة، توماس قال حرفياً قبل أسابيع: “لقد بدأت مشواري كصحفي بتغطية الحرب الأهلية في لبنان، وأنا الآن مذعور من نهاية مشواري كصحفي أغطي الحرب الأهلية الثانية، الممكنة، في تاريخ أميركا”.

أميركا أمام مفترق طرق، وتواجه تحدياً حقيقياً يفوق بخطورته مواجهة أي هجومٍ خارجي، فعندما تشبّ النيران داخل البيت الأميركي يصبح من الصعب إخمادها، وعندما تتصارع الإمبراطورية في أعماقها، يصبح أمر سقوطها المدوي وارداً جداً، إن لم نقل حتمياً، سقوطٌ لا تنحصر تداعياته في الداخل الأميركي، وإنما يمتد ليشمل بقاع الأرض. وهذا ما يفسّر قلق إسرائيل ومسؤوليها، ولعل أبرز التصريحات التي تعكس الصدمة الإسرائيلية ما قاله  وزير أمنها بني غانتس: “لم أصدق أنني سأرى صوراً كهذه في الديمقراطية الأقوى في العالم”، القلق من التحوّلات المتسارعة في الساحة الداخلية الأميركية لا يثير ذعر “تل أبيب” وحدها، بل هناك أنظمة عربية وخليجية تحسَّست رؤوسها يوم أمس، فالحليفة الكبرى العاجزة عن حماية هيكلها الداخليّ وتماسكه، لا يمكنها أن تحمي بعد اليوم عروشاً وبروجاً مشيدة على رمال متحركة.

نقلا عن الميادين