الوحدة اليمنية.. بين إرهاصات الماضي وآفاق المستقبل..!

174

بقلم/ البروفيسور عبدالعزيز الترب

واحد وثلاثون عام مر منذ تحقيق الوحدة اليمنية المباركة.. الوحدة التي كانت حلم الأجداد والأجيال المتعاقبة المتلهفة لتحقيق هذا اليوم التاريخي الذي تحقق في الثاني والعشرين من مايو 1990م.

فما هي المنجزات التي تحققت خلال هذة الفترة منذ تحقيق هذا المنجز العظيم وحتى اليوم؟ وما هي المنعطفات التاريخية التي كادت أن تعصف وتقضي على هذا الحدث التاريخي في حياة شعبنا؟

ولماذا لم تتمكن القيادات التاريخية في الشمال والجنوب من الحفاظ على هذا المنجز ( الحلم ) بعيداً عن الصراعات الداخلية؟ وماهي الارهاصات التي أفضت إلى تعثر تحقيق نتائج ملموسة تلبي طموحات الجماهير اليمنية؟ وما حقيقة الصراعات التي احتدمت بين الأطراف الموقعة على اتفاقية الوحدة؟ وهل كانت تلك الأطراف صادقة في توجهها إزاء الثوابت الوطنية والتي تم التوقيع عليها؟

اسئله كثيره راودت ومازالت تراود أذهان الجماهير اليمنية التي كانت تراهن على قيام يمن موحد قوي وسبيل للتخلص من موروثاث الماضي المؤلمة بسبب التباينات الفكرية والايدلوجيه لكلا النظامين (الشمال والجنوب) و التي ادخلت الشطرين (سابقاً) في أتون صراعات مسلحة أربكت المشهد السياسي؛

الأمر الذي أدى إلى إتساع الفجوة بين النظامين وبالتالي اعاق اللجان المشكلة من الطرفين ( قبل 22 مايو 1990 ) الوصول إلى نقاط توافقية تقرب من وجهات النظر الخلافية وبالتالي تعثر تحقيق خطوة نحو تحقيق الوحدة حينها.

إذن كيف إستطاع الفرقاء ( في الشطرين ) تحييد كل تلك القضايا الشائكة و الهرولة إلى يوم الوحدة في 22 مايو 90م.

أقول أن الوحدة لم تتم وفق الثوابت الوطنية أو حتى (على الأقل) وفق منهجية أو معايير علمية تحافظ على ديمومة مفهوم الوحدة وأنما تمت (وعلى عجالة) لتحقيق مآرب أخرى كادت أن تصيب الوحدة في مقتل؛ أهمها:

1- أن الوحدة اليمنية تمت بين نظامين مختلفين تماماً في الرؤى السياسية والايدلوجية ؛ نظام يعتمد على فرض سياسة الحزب الواحد (مبدأ المركزية الديمقراطية) في الجنوب ؛ وأخر استبدادي متفرد بالسلطة (في الشمال).

2- كانت المصالح هي الأساس لأحداث تناغم بين الطرفين (الشمال والجنوب) فالنظام في صنعاء (حينها) قام بالتوقيع على اتفاقية الوحدة حتى يتمكن من توسيع نفوذه (شمالاً وجنوباً) من جهة والسيطرة على كل الثروات الطبيعية والتحكم بطرق الملاحة البحرية (تحديداً) من جهه أخرى؛

وبين نظام في الجنوب توجه إلى الوحدة هروباً من الخلافات والصراعات داخل أجنحة الحزب الاشتراكي اليمني وإمكانية حدوث صراع مسلح (كان متوقعاً).

3- بالرغم من نصائحنا المتكررة ومنذ وقت مبكر وبعد الاستفتاء على دستور الوحدة أن يحافظ الرئيسين (علي عبدالله صالح و علي سالم البيض) على الزعامة التاريخية وان يتم الأعداد لانتخابات مبكرة بعد الاستفتاء على الدستور (الذي تم رفضه من قبل حزب التجمع اليمني للإصلاح) ولكن لم تستجب تلك القيادات التاريخية لما قلناه؛

وبدلاً من ذلك برزت الكثير من الشحطات السياسية (الغير متوازنة) والتي تظهر تلك القيادات وكأنها قادرة على وضع أسس للحفاظ على الوحدة الألمانية في إشارة إلى (ألمانيا الاتحادية وألمانيا الديمقراطية).

4- لم تكن تلك القيادات جادة في الحفاظ على منجز الوحدة اليمنية وظل كل طرف ينظم ويستقطب من يختلف مع هذة القيادة أو تلك ( المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني) من خلال شراء الذمم أو الوعود بتقلد مناصب وظيفية رفيعة في الدولة الوليدة واغراءات أخرى على حساب التنمية والإنسان اليمني ؛ وتأكد هذا من خلال التحضير لاولى الانتخابات التي استطاع التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان ) من خلالها الفوز والوصول إلى سدة السلطة ليصبح الشريك الثالث في إدارة شؤون وحدة اليمن.

5- القيادات اليمنية التي حققت الوحدة لم تقبل بمشاركة جميع الأحزاب والمكونات السياسية ومنظمات المجتمع المدني بل وظف كل طرف أعداء الطرف الأخر لتصفية الحسابات والدليل على ما أقول حركة التصفيات العسكرية (الاغتيالات ) التي طالت كوادر الحزب الاشتراكي اليمني.

6- أعلن الحزب الاشتراكي اليمني رفضه القاطع بقبول مشاركة الطرف المهزوم في أحداث 13 يناير 1986 م ( الزمرة ) في إدارة شؤون الدولة (تم إقصاء قيادات وكوادر الزمرة وعدم إدراجها في قوائم المرتبات) بالإضافة إلى مطالبة قيادة الوحدة من الشطر الشمالي بنفي كل من حكم علية بالإعدام إلى خارج اليمن؛ وهذا تأكيد للقول بأن كل طرف ظل يرتب لكسب المعركة السياسية والعسكرية والأمنية والشعبية والذي يعني بالمقابل أننا لم نفكر ببناء اليمن الجديد…. يمن الثاني والعشرين من مايو 1990م.

وهذا ما يؤكد لنا عدم مصداقية قيادات الطرفين (شمالاً وجنوباً) في تحقيق وحدة يمنية أساسها ( العدل والمساواة والديمقراطية).

ووصلنا إلى حرب صيف 1994م بعد مخاض سياسي وأزمة فكرية عصيبة سبقتها أكثر من اعتكاف لنائب الرئيس (الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني) المناضل علي سالم البيض والذي أوصل بدوره الشعب اليمني الى التهيئة والاستعداد للتحضير لحرب طاحنة بين صناع الوحدة تخلله التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق في الأردن وقبل أن يجف حبرها عمدت قيادات الاشتراكي إلى اتخاذ عدة مناورات سياسية لوأد الوحدة من خلال تحرك البيض إلى عدن ويلحقه المهندس حيدر العطاس (رئيس اول حكومة لدولة الوحدة) وفي الوقت ذاته توجه سالم صالح محمد (عضو مجلس الرئاسة) إلى الكويت ودول اخرى في الخليج ؛

وهذا يدل بما لايدع مجالاً للشك أننا لم نكن أمناء أو صادقين مع جماهير الشعب التي باركت قيام دولة الوحدة في الثاني والعشرين من مايو 1990م ولا لكل من قال نعم لدستور الوحدة.
وقد استطاع الشيخ الراحل عبدالله بن حسين الأحمر أن يتنبأ بإنتصار القيادات التقليدية القديمة التي انتصرت على ثورتي سبتمبر وأكتوبر في إدارة الشأن اليمني ؛

كما أتذكر أن الشيخ الأحمر (ولغرض استمرار حالة المراوحة لإيجاد حل سياسي بين الطرفين المتصارعين المؤتمر والاشتراكي) تعمد وبصفته شاهد تاريخي على وثيقة العهد والاتفاق على كتابة عبارة (شريطة العودة إلى صنعاء) الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمة السياسية وكأنه يؤكد أن الاتفاق لن يتم وان أطرافه غير صادقين وأنهم سوف يتحركون لطلب الدعم من هذة الدولة أو تلك لتمزيق اليمن حتى يحكم النظام القديم صنعاء كما حكمها حتى قبل 22 مايو 1990م.

وبعد تلك الحرب الطاحنة (1994م) والتي شاركنا فيها جميعاً في الإنتصار للوحدة وليس لانتصار طرف على الآخر؛ بالرغم أننا نصحنا جميع الأطراف للاحتكام للعقل والتنازل لليمن وتنفيذ الاتفاق والخروج للانتخابات.

اليوم أقول بأن الوحدة مكسب تاريخي وها نحن نحتفل بها في 22 مايو 2021م بعد صمود (6 سنوات والعام السابع في طريقه) من العزة والكرامة.

وفي هذا المقال الموجز والذي اشكر فية قيادة صحيفة (الميثاق) على إتاحة الفرصة لي للكتابة في هذا التاريخ المجيد عن 22 مايو 1990م (يوم الوحدة اليمنية) وأقول بأمانة وشرف وإخلاص أنه علينا أن ننظر للمستقبل مع دراسة ما رافقها من أخطاء وتجاوزات وان الوحدة بريئة مما حدث منذ تحقيقها وحتى حرب صيف 1994م ومابعدها وان المنتصر فيها مهزوم أمام برامج التنمية والأعمار ؛ حيث أننا لم نقبل أن نتنازل وان نتسامح حتى اعتدي علينا ومازال حتى الآن.

إخوان اليمن:

الصراع على الكرسي (حيث ان السلطة تعميك وتغريك…) الاشتراكي راهن على رموز الجبهة الوطنية ورفض التصالح مع الزمرة من خرج مهزوماً بأحداث يناير الدامية 1986 والشمال (المؤتمر) راهن على معارضو الاشتراكي والذين هربوا منذ استقلال الجنوب (1967) وبعدها على الأخوان- (التجمع اليمني للاصلاح ) الذي رفض دستور الوحدة والذي،اصبح الشريك الثالث لحكم اليمن بعد أولى الإنتخابات.

وخلاصة القول ان من حكم اليمن وتدخل في شؤونه منذ زمن بعيد لم يقبل أن يكون لليمن القرار المستقل والسيادة الكاملة شن العدوان والتدخل الخارجي السافر بعد نجاح ثورة 21 سبتمبر 2014 واستمر في توظيف ادواته حتى اعلان الحرب في 26 مارس 2015.

لم يعمل شئ في الجنوب غير تغذية الخلافات ولم يضع حلول اقتصادية والتنموية
كلمة أخيرة أوجهها لأبنائنا في المحافظات الجنوبية وأقول لهم علينا أن نعلم أبنائنا أن لا يكرروا اخطائنا وان لا نقبل بأي حلول أخرى غير العمل على وقف العدوان ورفع الحصار والدخول في مصالحة وطنية شاملة أساسها (السيادة والاستقلال والعزة لليمن أرضاً وانساناً).

وبعد كل هذا نقول إن الوحدة باقية ونحن زائلون وعلينا أن نحتكم لصندوق الانتخابات والتمسك بالثوابت الوطنية(الجمهورية والوحدة والديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة) وحق الإنسان باختيار الشخص المناسب في المكان المناسب مع إحترام المواثيق الدولية وسياسة حسن الجوار.

أ.د البروفيسور عبدالعزيز الترب الخبير الاقتصادي – أستاذ الإدارة والتنظيم