عدن تغلق أبوابها بوجه النازحين من تعز والساحل الغربي.. الانتقالي يوظّف المخاوف السكانية لتصفية حساباته السياسية..!

5٬894

أبين اليوم – خاص 

بالتزامن مع موجات النزوح المتواصلة من مناطق الساحل الغربي ومحافظة تعز، بدأت السلطات التابعة للمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا حملة لمنع نازحين ومسافرين من دخول مدينة عدن، في تطور يعكس انتقال الصراعات بين القوى الموالية للسعودية والإمارات إلى ملف النزوح الإنساني، وسط تقاسم الطرفين النفوذ والسيطرة على المدينة.

وقالت مصادر حقوقية إن السلطات التابعة للانتقالي منعت عشرات المسافرين من دخول عدن عبر المدخل الشمالي، بالتزامن مع تصاعد حملات تحريض يقودها ناشطون محسوبون على المجلس، تزعم أن تدفق النازحين من المناطق الشمالية قد يؤدي إلى تغيير التركيبة السكانية للمدينة.

ولم تتوقف حملات التحريض عند إثارة المخاوف من التغيير الديموغرافي، بل امتدت إلى ترويج مزاعم تصف النازحين القادمين إلى عدن بأنهم “خلايا تابعة للحوثيين”، في اتهامات من شأنها تأجيج التوترات وتوفير غطاء سياسي لتقييد حركة المدنيين الفارين من مناطق المواجهات.

وتشير المصادر إلى أن التطورات العسكرية الأخيرة في تعز والساحل الغربي انعكست بصورة مباشرة على أوضاع النازحين، بعدما تحولت عملية استقبالهم إلى ساحة جديدة للصراع بين القوى الموالية للسعودية من جهة، والفصائل المدعومة إماراتيًا من جهة أخرى، في ظل تباين حسابات الطرفين بشأن التعامل مع التداعيات الميدانية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، أظهرت فصائل ألوية العمالقة والمجلس الانتقالي مواقف وُصفت بالعدائية تجاه الفارين من مناطق المواجهات، بمن فيهم عسكريون وأسر، وسط تقارير عن احتجاز نازحين في منطقة رأس العارة القريبة من الحدود الإدارية بين محافظتي تعز ولحج.

وبحسب المصادر، يواجه النازحون أوضاعًا معيشية صعبة في ظل محدودية الاستقبال والمساعدات، فيما تتفاقم معاناتهم نتيجة القيود المفروضة على انتقالهم، الأمر الذي يضع آلاف المدنيين المحتمل تضررهم أمام خيارات محدودة، بين البقاء في مناطق غير مستقرة أو التوجه إلى مناطق لا تضمن لهم استقبالًا آمنًا.

وتضيف المصادر أن إعلان قوات صنعاء عفوًا رئاسيًا عن الأسرى في مناطق تعز والساحل الغربي لم ينهِ حالة القلق لدى بعض الفئات، في ظل ما تصفه بتعبئة سياسية تصور الأوضاع على نحو مغاير لحقيقتها، وهو ما دفع، وفقًا لهذه المصادر، بعض المحسوبين على حزب الإصلاح والتابعين لطارق صالح إلى المغادرة باتجاه عدن.

غير أن هؤلاء، وفقًا لناشطين حقوقيين، اصطدموا بواقع مختلف عما توقعوه، بعدما اكتشفوا أن الوصول إلى عدن لا يعني بالضرورة العثور على ملاذ آمن، وأن الانتماءات السياسية والعسكرية قد تتحول إلى عامل إضافي في تعقيد أوضاع الفارين، بدلًا من أن تكون لهم ضمانة للحماية والاستقرار.

تحليل:

ما تكشفه التطورات في عدن يتجاوز مجرد منع نازحين من دخول مدينة أنهكتها الأزمات؛ إنه يكشف كيف تتحول الجغرافيا، في ظل صراع النفوذ السعودي الإماراتي، إلى أداة فرز سياسي، وكيف يصبح المدني الفار من جحيم المواجهات متهمًا حتى يثبت العكس، لا إنسانًا تستوجب مأساته الحماية والإغاثة.

فحين تُستبدل معايير الاستجابة الإنسانية بالهواجس الديموغرافية والاتهامات الأمنية غير المثبتة، يصبح النزوح نفسه ساحة صراع، وتتحول معاناة الأسر إلى مادة للتعبئة والتحريض، فيما تتوارى المسؤولية خلف شعارات حماية المدينة من «التغيير السكاني» و«الخلايا المعادية».

وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: قوى تتحدث باسم الأمن والاستقرار، لكنها تترك الفارين من الحرب عالقين بين الحواجز والمخاوف والانتماءات السياسية، وكأن حق الإنسان في النجاة أصبح امتيازًا تمنحه الولاءات لا حقًا تفرضه الكرامة الإنسانية.

والأخطر أن الصراع على النازحين قد يتحول إلى مؤشر على عمق التصدع داخل المعسكر المناهض لصنعاء؛ فكلما تبدلت موازين السيطرة في تعز والساحل الغربي، انتقلت ارتداداتها إلى عدن، لتظهر التناقضات التي تخفيها الشعارات المشتركة وتكشفها لحظة اقتسام الأعباء والنفوذ.

وإذا كانت صنعاء قد أعلنت عفوًا عن الأسرى، فإن اختبار صدقية هذا الإعلان يظل مرتبطًا بالتفاصيل وآليات التنفيذ، لا بالدعاية المقابلة؛ أما تحويل كل نازح إلى شبهة أمنية، فلا يصنع أمنًا، بل يوسع دائرة الاحتقان ويعمّق الانقسام.

فالمأساة ليست أن يفرّ اليمني من منطقة إلى أخرى بحثًا عن الأمان، بل أن يجد وطنه مقسّمًا إلى بوابات عبور تحكمها حسابات القوى المتنافسة؛ وحين تصبح الهوية السياسية جواز النجاة، يكون الصراع قد تجاوز السيطرة على الأرض إلى مصادرة أبسط حقوق الإنسان: أن يهرب من الحرب دون أن يُعاقَب على نجاته.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com