“تقرير“| ماذا تعني السيطرة على المقاطرة؟ وما أبعادها العسكرية والاستراتيجية على معركة لحج..!

7٬888

أبين اليوم – خاص 

سجلت المواجهات العسكرية في محافظة لحج تحولاً ميدانياً لافتاً، مع تمكن قوات صنعاء من بسط سيطرتها على كامل مديرية المقاطرة خلال نحو 72 ساعة من المعارك، في تقدم لافت بالنظر إلى اتساع المساحة الجغرافية التي سيطرت عليها، والمقدرة بنحو 500 كيلومتر مربع، وما تتميز به المنطقة من تضاريس جبلية شديدة الوعورة وتحصينات طبيعية وفرتها المرتفعات الجبلية، فضلاً عن الغطاء الجوي السعودي الذي لم يتمكن من وقف تقدمها.

ويرى خبراء عسكريون أن أهمية هذا التقدم لا تكمن في اتساع رقعة السيطرة الجغرافية فحسب، بل في دلالاته المتعلقة بمستوى التخطيط والتنظيم وإدارة العمليات القتالية، مقارنة بأداء القوات المدعومة سعودياً، التي تواجه انهيارات متتالية رغم ما تمتلكه من إمكانات تسليحية ومالية ودعم جوي وإعلامي كبير، وهو ما يفتح تساؤلات حول أسباب عجز هذه التشكيلات عن الصمود أمام الهجمات المتواصلة.

وأشار الخبراء إلى أن معارك المقاطرة أظهرت دور الخبرة الميدانية واستثمار الطبيعة الجغرافية في حسم المواجهات، بعدما عجزت الإمكانات العسكرية الكبيرة للقوات المدعومة سعودياً عن حماية مواقعها الاستراتيجية في السلاسل الجبلية والمرتفعات الوعرة، وصولاً إلى فقدان مساحات واسعة من المديرية خلال فترة زمنية قصيرة.

وترافق ذلك مع تساؤلات بشأن مصير الألوية والتشكيلات العسكرية التي تتلقى دعماً سعودياً واسعاً، وأسباب عجزها عن الدفاع عن مواقعها أو استعادتها، في ظل التراجع المستمر وانسحاب عناصرها من مواقع المواجهة، وصولاً إلى مغادرة مواقعها في المقاطرة، بما يعكس حجم الاختلالات التي تواجه هذه القوات على المستويين الميداني والتنظيمي.

وفي تطور متصل، انتقلت المواجهات من المقاطرة إلى مديرية طور الباحة، حيث تمكنت قوات صنعاء من السيطرة على مواقع استراتيجية، بينها جبال ومنطقة الصوالحة، مع اقتراب المعارك من محيط معسكر الكمب عند مدخل مركز المديرية، بما يضع مواقع القوات المدعومة سعودياً في المنطقة أمام ضغوط ميدانية متزايدة.

وشهدت الساعات الماضية سقوط مركز مديرية المقاطرة ومقر اللواء الرابع مشاة جبلي في منطقة معبق، الذي يضم قيادة محور طور الباحة، إلى جانب اغتنام أسلحة وذخائر وأطقم وعتاد عسكري. وتزامنت هذه التطورات مع انسحابات واسعة في صفوف القوات المدعومة سعودياً، ووصول أعداد من القتلى والجرحى والأسرى من جبهات المواجهة إلى مستشفى طور الباحة ومستشفيات عدن.

ولفت الخبراء إلى أن التوغل في المرتفعات الاستراتيجية وفقدان المواقع العسكرية يعيدان إلى الأذهان خسارة مواقع في جبهات الساحل الغربي، محذرين من أن استمرار التراجع الميداني قد يقود إلى تحولات جديدة في مسار المواجهات بمحافظة لحج، خصوصاً مع انتقال الضغط العسكري إلى طور الباحة.

وعليه يمكن القول:

إن ما جرى في المقاطرة لا يمثل مجرد خسارة عسكرية عابرة في حسابات الجبهات، بل يكشف تصدعاً عميقاً في بنية القوات التي أنفقت السعودية مليارات الدولارات على تشكيلها وتسليحها وإعادة توزيع ولاءاتها.

فحين تتهاوى المواقع تباعاً رغم التفوق في التمويل والعتاد والغطاء الجوي، تصبح المشكلة أبعد من نقص الإمكانات، وتتصل بجوهر المنظومة العسكرية التي بُنيت على تعدد التشكيلات وتضارب الولاءات وارتهان القرار، لا على عقيدة قتالية موحدة وقيادة قادرة على إدارة المواجهة.

وهنا تتكشف المفارقة: إنفاق سعودي واسع لبناء قوة يفترض أن تحمي النفوذ، ينتهي إلى مشهد من الانهيارات والانسحابات وفقدان المواقع، بما يضع علامات استفهام ثقيلة حول جدوى هذا الاستثمار العسكري ومصير الألوية التي رُسمت لها أدوار أكبر من قدرتها الفعلية.

والأخطر أن تداعيات المقاطرة لا تتوقف عند حدودها الجغرافية، بل تمتد إلى طور الباحة وما وراءها، حيث باتت القوات المدعومة سعودياً تواجه اختباراً وجودياً يتعلق بقدرتها على الاحتفاظ بما تبقى من مواقعها ومنع انتقال الانهيار إلى بقية الجبهات.

فكل موقع يسقط يبدد جزءاً من هيبة هذه التشكيلات، وكل انسحاب يفضح هشاشة منظومة القيادة والسيطرة، وكل خسارة جديدة تقوض الرهان السعودي على صناعة قوة محلية تتولى حماية مشروعه بأقل كلفة مباشرة. لقد كشفت المقاطرة أن المال يستطيع شراء السلاح وتشكيل الألوية، لكنه لا يستطيع شراء الثبات والولاء والكفاءة القتالية؛ وأن النفوذ الذي يقوم على تشكيلات مرتهنة لا يملك مناعة حقيقية أمام التحولات الميدانية.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس كم موقعاً ستخسر هذه القوات لاحقاً، بل هل ما زالت تملك منظومة متماسكة قادرة على منع سقوط ما تبقى من جبهاتها؟

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com