من تيغراي إلى البحر الأحمر.. كيف تحوّل الصراع الإثيوبي إلى مواجهة مفتوحة مع مصر وإريتريا..!
أبين اليوم – وكالات
تشهد منطقة القرن الأفريقي تصعيداً متسارعاً بين إثيوبيا من جهة، وإريتريا ومصر من جهة أخرى، بالتزامن مع تجدد القتال في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، في تطورات تعيد إلى الواجهة صراعات تاريخية تتداخل فيها الحسابات العسكرية والأمنية مع ملف مياه النيل والطموحات الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر.
وبلغ التصعيد مستوى جديداً، الخميس، بعدما أعلنت إثيوبيا إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، متهمة إياهم بالقيام بأنشطة تمثل تهديداً لأمنها القومي.
وردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، في واحدة من أخطر مراحل التدهور بين البلدين منذ استئناف العلاقات عام 2018.
ويتزامن ذلك مع اتهامات إثيوبية لإريتريا ومصر والسودان بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي في مواجهته المتجددة مع الحكومة المركزية، فيما تتهم أديس أبابا أسمرة بصورة خاصة بدعم خصومها، في حين نفت الدول المعنية هذه الاتهامات.
ولم تتوقف الأزمة عند إريتريا، إذ أعلنت إثيوبيا أيضاً، الخميس، دبلوماسياً مصرياً شخصاً غير مرغوب فيه وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد، في خطوة جاءت وسط تصاعد التوتر بين القاهرة وأديس أبابا. وردت مصر بإجراء مماثل بحق مستشار في السفارة الإثيوبية بالقاهرة، بحسب مصادر مصرية.
– سد النهضة.. عقدة الخلاف المصري الإثيوبي:
وتتجاوز جذور الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا التطورات الحالية في تيغراي، إذ يشكل سد النهضة أحد أبرز مصادر التوتر بين البلدين، في ظل استمرار الخلاف حول قواعد ملء وتشغيل السد وتأثيراته على المصالح المائية المصرية.
وبينما تنظر مصر إلى مياه النيل باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بأمنها المائي، ترى إثيوبيا في مشروع السد ركيزة أساسية لخططها التنموية وإنتاج الطاقة، وهو ما جعل الملف واحداً من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين البلدين.
إلا أن العامل الأكثر حساسية في الحسابات الحالية يتصل بالبحر الأحمر.
فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، تسعى منذ سنوات إلى تأمين وصول مباشر إلى البحر الأحمر، في حين تنظر أسمرة بحذر شديد إلى الطموحات الإثيوبية البحرية، خصوصاً في ظل التاريخ الطويل من الصراع بين البلدين.
وقد أدى ملف الوصول إلى البحر الأحمر إلى إعادة تشكيل عدد من التحالفات والحسابات الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي، مع تنامي أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية الممتدة من البحر الأحمر إلى خليج عدن.
– مصر وإريتريا والصومال.. تقارب في مواجهة أديس أبابا:
وفي هذا السياق، برز تقارب في التحركات المصرية والإريترية والصومالية بشأن قضايا الأمن الإقليمي والبحر الأحمر، بالتزامن مع سعي القاهرة إلى تعزيز حضورها في منطقة القرن الأفريقي.
وتتقاطع الحسابات المصرية والإريترية في أكثر من ملف، أبرزها القلق من التحركات الإثيوبية، وإن كانت دوافع كل طرف مرتبطة بمصالحه المباشرة؛ فالقاهرة تضع قضية مياه النيل في صدارة حساباتها، بينما ترتبط حسابات أسمرة بصورة أكبر بأمنها الحدودي وعلاقتها التاريخية بإثيوبيا، فضلاً عن التنافس حول النفوذ والمنافذ البحرية.
– تيغراي.. الجبهة الداخلية تعود إلى الواجهة:
وتزامن التصعيد الدبلوماسي مع تطورات ميدانية مقلقة داخل إثيوبيا، حيث تجددت المواجهات بين القوات الحكومية وقوى تيغراي بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت اتفاق بريتوريا لعام 2022.
ويضيف تجدد القتال بعداً جديداً للأزمة، إذ لم تعد أديس أبابا تواجه ضغوطاً مرتبطة بعلاقاتها الخارجية فقط، بل تجد نفسها أمام تحديات داخلية يمكن أن تتقاطع مع صراعات إقليمية أوسع.
وبذلك تتجه الأزمة نحو تداخل ثلاثة مسارات رئيسية: صراع داخلي إثيوبي قابل للتوسع، وتوتر إثيوبي إريتري مرتبط بتيغراي والبحر الأحمر، وخلاف مصري إثيوبي ممتد حول مياه النيل والنفوذ الإقليمي.
ودعا الاتحاد الأفريقي إلى ضبط النفس بين الأطراف المعنية، والامتناع عن الإجراءات والتصريحات التي يمكن أن تزيد حدة التوتر، مع التشديد على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وحل الخلافات عبر الوسائل الدبلوماسية.
تحليل:
ما يجري في القرن الأفريقي لم يعد مجرد سلسلة من الخلافات الثنائية المنفصلة؛ فـتيغراي والنيل والبحر الأحمر باتت ملفات متشابكة داخل معادلة أمنية واحدة.
وكلما تصاعد الضغط في أحد هذه الملفات، انعكس بصورة مباشرة على الملفين الآخرين. وهذا ما يجعل الأزمة الحالية أكثر تعقيداً من مجرد خلاف إثيوبي ـ إريتري أو مصري ـ إثيوبي.
وتكمن حساسية المشهد في أن إثيوبيا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مسألة استراتيجية مرتبطة بمستقبلها الاقتصادي والأمني، بينما ترى إريتريا في أي تمدد إثيوبي باتجاه الساحل تهديداً محتملاً لأمنها وسيادتها.
وفي المقابل، تنظر مصر إلى تمدد النفوذ الإثيوبي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر من زاوية أوسع ترتبط بأمن النيل وموازين القوى الإقليمية. وهكذا تتقاطع الجغرافيا البحرية مع الجغرافيا المائية والجغرافيا الأمنية في مساحة واحدة.
والخطر الحقيقي لا يكمن في قرار دبلوماسي منفرد، بل في إمكانية انتقال الأزمة من حرب نفوذ إلى اصطفافات أمنية مفتوحة، خصوصاً إذا تزامن التصعيد الخارجي مع انفجار جديد في تيغراي.
عندها قد يتحول القرن الأفريقي إلى ساحة تتداخل فيها الحسابات المحلية مع التنافس الإقليمي والدولي على البحر الأحمر، بما يجعل أي حادث أمني محدود قابلاً لإنتاج تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى كامل منظومة أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.