مفكر مصري ينسف احتكار “الشرعية” للتمثيل.. ويحذر من تحريض مصطفى بكري: إشعال حرب اليمن يهدد الأمن القومي المصري..!

5٬694

أبين اليوم – خاص 

وجّه الباحث والمفكر المصري سامح عسكر رسائل سياسية مباشرة بشأن الحرب في اليمن، مؤكداً أن إنهاء الحرب يتطلب التخلي عن المسميات السياسية التي تحولت إلى عوائق أمام التسوية، وفي مقدمتها احتكار طرف “الشرعية” صفة التمثيل السياسي للدولة والشعب اليمني، والتعامل مع بقية القوى باعتبارها أطرافاً متمردة لا شركاء في المعادلة الوطنية.

وقال عسكر إن الحرب لن تتوقف إلا من خلال “تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية”، مشدداً على أن الطرف المسمى بـ”الشرعية” ليس الممثل الوحيد للشعب اليمني، وإنما طرف سياسي وعسكري من بين أطراف متعددة تمتلك حضوراً ونفوذاً على الأرض.

وأوضح أن لقب “الشرعية” تحول إلى عقبة أمام إيقاف الحرب، لأن الطرف الذي يعتبر نفسه الدولة والآخرين متمردين لا يمكن أن يجلس معهم على طاولة المفاوضات باعتبارهم أنداداً وشركاء في تقرير مستقبل البلاد. وأشار إلى أن هذا الطرف لا يمتلك تفويضاً شعبياً عبر الانتخابات، ولا توافقاً وطنياً أو قبلياً يمنحه حق احتكار تمثيل اليمنيين.

واستشهد المفكر المصري بتجارب تاريخية، مؤكداً أن الحروب الأهلية لا تنتهي بإقصاء طرف أو انتصار طرف آخر، وإنما بالاعتراف المتبادل بحق القوى السياسية في الوجود والمشاركة في السلطة، مستحضراً اتفاق الطائف في لبنان وتجربة إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عبر الحوار مع نيلسون مانديلا.

ودعا عسكر الطرف المسمى بـ”الشرعية” إلى التخلي عن الغرور السياسي وإنكار الذات، والتعامل بواقعية مع موازين القوى، بدلاً من الرهان على الدعم الخارجي المطلق، مؤكداً أن تقديم التنازلات المتبادلة والتوصل إلى تسوية سياسية باتا ضرورة لإنقاذ الشباب الذين يُقتلون والمدنيين الذين يتعرضون للقصف منذ نحو 12 عاماً.

وفي سياق متصل، وجّه سامح عسكر انتقادات حادة للإعلامي المصري مصطفى بكري، على خلفية تصريحات أطلقها ضد اليمن عبر قنوات خليجية، محذراً من خطورة توظيف الشائعات والحسابات الوهمية في صناعة مواقف عدائية بين الشعبين المصري واليمني.

وأوضح عسكر أن ادعاءات بكري بشأن إعلان قوات صنعاء الحرب على مصر استندت إلى نقل غير دقيق عن حساب مشبوه على منصات التواصل الاجتماعي، زعم أن الوجود العسكري المصري في السعودية يمثل إعلان حرب على اليمن، معتبراً أن ترويج مثل هذه الادعاءات عبر وسائل الإعلام ووكالات الأنباء يتناقض مع أبسط قواعد العمل الصحفي والمهني.

وأكد أن قيادات صنعاء تصدر يومياً مواقف إيجابية تجاه مصر وجيشها، وتدرك طبيعة الظروف والسياقات المرتبطة بالوجود العسكري المصري في الخليج، وأن هذا الوجود ليس موجهاً ضد اليمن، منتقداً النبرة العدائية والتهكمية التي ظهر بها بكري عبر القنوات الخليجية.

وشدد المفكر المصري على أن الأمن القومي المصري لا يتحقق بإشعال حرب اليمن، وإنما بوقفها، معتبراً أن إنهاء العدوان يمثل مصلحة استراتيجية لمصر واليمن ودول الخليج، وأن القاهرة مطالبة بالتمسك بخيار التسوية السياسية والصفقة الدبلوماسية التي لا تستثني أياً من القوى اليمنية.

كما حذر الإعلاميين والمثقفين المصريين من الانجرار وراء الحملات الإعلامية والحسابات المشبوهة واللجان الإلكترونية التي تستهدف الوقيعة بين الشعبين، داعياً إلى تبني موقف واضح يدعم إنهاء الحرب وعدم التورط في تأجيجها أو الانحياز إلى خطاب التصعيد.

واختتم عسكر بالتأكيد على مكانة مصر لدى الشعب والقيادة في صنعاء، واصفاً إياها بأنها كانت وستظل “طاقة نور وسلام واستقرار، لا طاقة ظلام وحرب وفوضى”.

تحليل:

تكمن الأهمية السياسية في مواقف سامح عسكر في أنها تضع إصبعها على واحدة من أكثر العقد تعقيداً في الملف اليمني: تحويل الصفة السياسية إلى امتياز احتكاري يمنح طرفاً حق تمثيل الدولة، وينزع عن بقية القوى حق المشاركة في صياغة مستقبلها.

فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف على أسماء الوفود أو ترتيبات تقاسم السلطة، بل صراع على الاعتراف السياسي وطبيعة الدولة التي ستولد من أي تسوية. ومن هنا، فإن استمرار التعامل مع المعادلة اليمنية بمنطق المنتصر والمهزوم، والشرعي والمتمرد، يعني إبقاء الحرب مفتوحة تحت غطاء سياسي، وتحويل المفاوضات إلى محاولة لفرض نتائج الحرب بدلاً من إنهائها.

أما الرسالة المتعلقة بمصر، فتتجاوز الرد على تصريحات إعلامية إلى التحذير من توظيف القاهرة في حسابات إقليمية لا تخدم أمنها القومي.

فاستدراج مصر إلى خطاب عدائي تجاه اليمن يهدد رصيداً تاريخياً من العلاقات بين الشعبين، ويضع المصالح المصرية أمام مخاطر لا تبررها حملات التحريض الإعلامي. والأهم أن إنهاء الحرب لم يعد شأناً يمنياً داخلياً فحسب، بل أصبح اختباراً لقدرة العواصم العربية على استعادة استقلال قرارها، ومنع تحويل علاقاتها البينية إلى أدوات في صراعات النفوذ الإقليمي والدولي.

فالسلام الذي يستثني قوة يمنية فاعلة ليس سلاماً، والموقف المصري الذي ينحاز إلى إنهاء الحرب أكثر اتساقاً مع مصالح مصر من أي خطاب يدفعها إلى جولة جديدة من التصعيد.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com