هل يتحول جنوب اليمن إلى ساحة صراع خليجي مفتوح؟ السعودية والإمارات تتسابقان على النفوذ وقطر تدخل على خط المنافسة..!
أبين اليوم – خاص
احتدم السباق الخليجي مجدداً على النفوذ في جنوب اليمن، الثلاثاء، مع تصاعد التحركات الإماراتية والسعودية والقطرية لإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في المناطق الجنوبية والشرقية، في ظل تطلعات كل طرف إلى حجز موقع متقدم في ترتيبات المرحلة المقبلة، والاستحواذ على أوراق النفوذ في منطقة تتمتع بأهمية استراتيجية وثروات وموقع جيوسياسي بالغ الحساسية.
وفي تحرك يعكس عودة أبوظبي إلى تصدّر واجهة الملف الجنوبي، أعادت الإمارات تسويق القضية الجنوبية عبر منصاتها الإعلامية، حيث أفردت قناة “سكاي نيوز” مساحة واسعة لاستضافة قيادات المجلس الانتقالي المحسوبة عليها، كان آخرها هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس، إلى جانب استضافة شخصيات جنوبية محسوبة على السعودية، أبرزها حيدر العطاس، رئيس حكومة عدن الأسبق قبل الوحدة.

وتركزت اللقاءات على مستقبل الجنوب في ضوء سيطرة القوات المسلحة اليمنية على الشمال، وما تفرضه هذه المعادلة من حسابات جديدة على الأطراف الإقليمية المتنافسة.
وتزامنت التحركات الإعلامية مع إرسال أبوظبي وفداً رفيع المستوى إلى واشنطن، يضم قيادات في المجلس الانتقالي، أبرزها عمرو علي سالم البيض، القائم بأعمال رئيس المجلس.
وأكد البيض، لدى وصوله الولايات المتحدة، أن المجلس يبحث مساراً دبلوماسياً للتوصل إلى اتفاق يحول دون سقوط الجنوب بيد من وصفهم بـ”الحوثيين”، في إشارة إلى توجه نحو فتح قناة اتصال مع صنعاء، ضمن مسار يجري بحثه بضوء أمريكي.

وفي موقف لافت، رفض البيض انخراط المجلس الانتقالي في الحرب التي تقودها السعودية شمالاً، محذراً من أن إرسال قوات إلى جبهات القتال سيؤدي إلى خسارة مزيد من الأراضي، وهو موقف يعكس حسابات إماراتية تسعى إلى تجنب استنزاف أدواتها العسكرية في معارك لا تخدم أولوياتها، مع الاحتفاظ بأوراقها السياسية والعسكرية في الجنوب.
وفي المقابل، كثفت السعودية تحركاتها لإعادة ترتيب موازين القوى جنوباً، عبر تمكين القوى المحلية الموالية لها بقيادة أبو زرعة المحرمي، حيث دفعت بمقربين منه إلى مناصب حكومية جديدة ضمن تشكيلة حكومة عدن، بالتوازي مع منحه مساحة أوسع للتحرك وإعادة تشكيل القيادات العسكرية والأمنية في المحافظات الجنوبية.
كما أصدر المحرمي قرارات تعيين جديدة، للمرة الأولى منذ الحملة السعودية التي استهدفت المجلس الانتقالي مطلع العام الجاري، في مؤشر على مساعٍ سعودية لبناء مركز نفوذ جنوبي بديل أو موازٍ للنفوذ الإماراتي.
ولم يقتصر السباق على الرياض وأبوظبي، بل امتد إلى الدوحة التي تسعى لاستعادة حضورها في الملف اليمني بعد انحسار نفوذها خلال الأزمة الخليجية، خصوصاً في الجنوب والشرق حيث الثروات النفطية والموانئ والمواقع الجيوسياسية المهمة.
وفي هذا السياق، فتحت قطر منصاتها الإعلامية أمام قيادات المجلس الانتقالي التي ظلت تتحاشى استضافتها سابقاً بسبب ارتباطها الوثيق بالإمارات، حيث استضافت قناة “الجزيرة” متحدث المجلس أنور التميمي، المقيم في الإمارات، في خطوة تعكس تحولاً في مقاربة الدوحة ومحاولتها البحث عن مراكز نفوذ جديدة داخل المعسكر الجنوبي، خصوصاً بعد خسارتها آخر التشكيلات المسلحة المحسوبة عليها في طور الباحة، والتي كانت مرتبطة بحزب الإصلاح.
وأمام اتساع دائرة التنافس الخليجي، بدأت مراكز أبحاث أمريكية تسلط الضوء على التحولات الجارية في جنوب اليمن، حيث نشر معهد كوينسي للأبحاث تقريراً تناول كواليس الصراع بين الأطراف الخليجية ومستقبل موازين النفوذ.
وأشار التقرير إلى استمرار التنافس السعودي الإماراتي حول ملفات متعددة، في مقدمتها مستقبل حزب الإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، وتوزيع النفوذ السياسي والعسكري.
ولفت التقرير إلى أن السعودية لا تتجه نحو قطيعة كاملة مع الإمارات في اليمن، لكنها في الوقت ذاته ترفض استمرار نفوذ أبوظبي على حساب مصالحها، وهو ما يدفع الرياض إلى إعادة صياغة تحالفاتها الإقليمية، والتوجه نحو تعزيز شراكاتها مع أطراف أخرى، بينها تركيا وباكستان ومصر، في محاولة لإعادة بناء منظومة نفوذ أكثر قدرة على موازنة الحضور الإماراتي.
تحليل:
تكشف هذه التحركات أن جنوب اليمن دخل مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ، لم تعد فيها المنافسة محصورة بين السعودية والإمارات، بل أصبحت ساحة مفتوحة لاستعادة التموضع الخليجي وإعادة توزيع الأوراق الإقليمية.
فالإمارات تحاول حماية مكتسباتها عبر المجلس الانتقالي وشبكة التشكيلات العسكرية التي أنشأتها، والسعودية تسعى إلى تفكيك احتكار أبوظبي للقرار الجنوبي وبناء مراكز قوة تدين لها بالولاء، فيما تحاول قطر استثمار التصدعات بين الطرفين للعودة من بوابة الإعلام والاتصالات السياسية.
أما واشنطن، فتراقب هذه التحولات باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب النفوذ في منطقة تتحكم بممرات التجارة والطاقة وخطوط الملاحة الدولية. وبذلك لم يعد السؤال متعلقاً بمن يمتلك التمثيل السياسي للجنوب، بل بمن يمتلك مفاتيح الموانئ والجزر والثروات والتشكيلات المسلحة، ومن يملك القدرة على فرض شروطه في أي تسوية قادمة.
والأكثر دلالة أن الحديث الإماراتي عن المسار الدبلوماسي ورفض الزج بقوات الانتقالي في الحرب شمالاً، يقابله تحرك سعودي لإعادة تشكيل الخارطة العسكرية والسياسية جنوباً، بما يكشف اختلاف حسابات الرعاة وتناقض أهدافهم رغم سنوات التحالف.
فكل طرف يريد جنوباً يتبع حساباته، لا جنوباً يمتلك قراره المستقل؛ وكلما اقتربت ترتيبات التسوية، تسابق هؤلاء إلى تأمين مواقعهم وحصصهم قبل انكشاف شكل المعادلة الجديدة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الأطراف التي دخلت اليمن تحت شعارات استعادة الدولة والشرعية باتت تتنافس على اقتسام النفوذ داخله، فيما تحولت القوى المحلية إلى أدوات في بازار التحالفات الإقليمية، وأصبحت ثروات الجنوب وموانئه وموقعه الاستراتيجي جوهر المعركة الحقيقية خلف ستار الشعارات السياسية.