“مقالات“| الجبل والمستشار والملكة: الشيخ سيف القطيبي.. الكبرياء الذي روّض الإمبراطورية وصنع الإجماع الوطني..!

5٬994

أبين اليوم – خاص  

بقلم/ فيصل الخليفي:

تاريخ الشعوب لا يصنعه العابرون، بل تخطه مواقف الرجال الذين رفضوا المساومة على كرامة الأرض وسيادة الهوية. وفي سفر النضال اليمني المعاصر، يبرز اسم الشيخ سيف حسن القطيبي كأحد أبرز الرموز التاريخية التي حظيت بإجماع وطني منقطع النظير؛ رجلٌ اختزل في سيرته رصيداً وطنياً زاخراً، وجسّد بشخصه عنفوان جبال ردفان وضارب جذوره في أعماق الهوية اليافعية الحرة.

الجذور والنشأة: سليل السلاطين وحارس الإرث:

ولد الشيخ سيف حسن علي محمد صالح الأخرم القطيبي عام 1923 في “ذي الهجيرة” بقلب جبل ردفان الأشم، وهي المعقل التاريخي لآل الأخرم المنحدرين من آل الكسادي (مكتب ذي ناخب – يافع السفلى)؛ تلك الأسرة العريقة التي حكمت حاضرة حضرموت قبل آل القعيطي.

نشأ الشيخ سيف في بيئة تعبق بالفخر والسيادة؛ حيث كانت للشخصية القطيبية مكانة دولية وازنة فرضت نفسها على القوى العظمى. ففي 22 يونيو 1915، أبرمت الإدارة البريطانية اتفاقية تاريخية مع جده الشيخ محمد صالح الأخرم، تضمنت اعترافاً بريطانياً صريحاً بالسيادة القطيبية, ونصت على معاملة البريطانيين في أرض القطيبي بالندّ والمساواة، وهي الاتفاقية التي عُمّدت في لندن وذي الهجيرة معاً، ووثقها الكتاب الإنجليزي الشهير (قبائل عربية حول عدن).

– مدرسة جبل حديد: طابع حر يرفض القيود:

تلقى الشيخ سيف مبادئ علومه في مدارس تحفيظ القرآن بردفان وسط أجواء مشحونة بالتحديات والغارات الإمامية التي تحطمت على أسوار ردفان والعلوي بفضل استبسال والده الشيخ حسن الأخرم (الذي تنصب شيخاً عام 1928). التفتت الإدارة البريطانية لنباهة الشاب سيف القطيبي، فألحقته بمدرسة “جبل حديد” المخصصة لأبناء السلاطين والأمراء في عدن.

لكن الروح البدوية الحرة للشيخ الشاب لم تطق قيود المدرسة الصارمة وقوانينها التي تمنع التدخين، فشكا ذلك لوالده قائلاً إنه لا يستطيع الاستمرار. تفهّم الأب رغبة ابنه، فأخرجه وقرّبه إليه، ليشبّ الشيخ سيف مستوعباً لخفايا الأعراف القبلية، متبحراً في فك النزاعات، وشاهداً حياً على محطات عسكرية كبرى كمعركة “الحمراء”.

– محطات المجد: لقاء الملكة إليزابيث والختم الذهبي:

في عام 1952، تزامنت الأقدار ليتبوأ الشيخ سيف حسن القطيبي مسند مشيخة أهل قطيب، في نفس العام الذي اعتلت فيه الملكة إليزابيث الثانية عرش بريطانيا. وعندما زارت الملكة عدن في 27 أبريل 1954، كان الشيخ سيف في طليعة المستقبلين من حكام المحميات. وهناك، تسلم من يد جلالتها الختم الرسمي المشيخي المطلي بالذهب عيار 14 قيراطاً، والمحفور باللغتين العربية والإنجليزية؛ وهو الختم الذي كان بمثابة وثيقة اعتراف دولي بمكانته القيادية وسلطته السياسية.

– الثورة والنزوح: الثائر الذي لم يساوم على هويته:

لم تكن الروابط الدبلوماسية لتثني الشيخ سيف عن واجبه القومي. ففي عام 1956، وعقب حلف جدة الدفاعي بين الملك سعود والرئيس جمال عبد الناصر والإمام أحمد، كان الشيخ سيف وقبائل ردفان سبّاقين لدعم هذا المحور العربي. ومن منتجع “السخنة”، أطلق الشيخ سيف العنان لعمليات عسكرية نوعية ضد الوجود البريطاني (1957-1958)، أسفرت عن إسقاط طائرة بريطانية ببندقية شقيقه الأصغر الشيخ محمود، مما جعل البريطانيين يعتبرون ذلك نكثاً صريحاً للعهود.

تجلت كبرياء الشيخ سيف السياسية عندما تم تعيينه نائباً أول لأمير الضالع بموجب اتفاقية مايو 1962 حقناً للدماء. لكنه في إحدى حفلات الحكومة الاتحادية في “مدينة الاتحاد” (مدينة الشعب حالياً)، فوجئ بتبديل لقبه عمداً من “القطيبي” إلى “الضالعي” في الكشوفات الرسمية.

انتفض الشيخ غضباً، ورفض طمس هويته واستلاب اسم قبيلته، فغادر الحفل مغاضباً ونزح إلى الجبال. ومع انطلاق ثورة 26 سبتمبر 1962، سارع للتنسيق مع قيادة الثورة في الشمال، متلقياً الدعم لفتح جبهات قتالية أثارت ذعر الإدارة البريطانية، مما دفع وزير الأمن الداخلي الاتحادي، السلطان صالح بن حسين العوذلي، لإصدار منشور في يونيو 1963 يعزله من المشيخة ويتهمه بالتخابر مع سلطات صنعاء لزعزعة الاستقرار.

– بيحان وأحور: الحاضنة القبلية والتلاحم الوطني:

تحول الشيخ سيف إلى طريد سياسي تشرف القبائل بحمايته. وعندما تقرر قصف مخبئه في جبال ردفان (حقاص)، أنقذته العناية الإلهية حين جاء الشريف حيدر بن صالح الهبيلي ليصطحبه لحضور حفل زواج في بيحان؛ لتقصف الطائرات المكان بعد دقائق من مغادرته. وفي ذلك الحفل، وقف الشريف حسين بن أحمد الهبيلي (وزير الداخلية الاتحادي) ليعلن أمام المندوب السامي البريطاني أن “وجه الشيخ سيف من وجهه”، مما فرض مرونة سياسية على الطرف البريطاني المتشدد، وتدخل السلاطين لتأمين بقاء الشيخ سيف وحمايته طوال أربع سنوات.

وفي سجن “أحور”، التقت الأقدار التاريخية؛ حيث التقى الشيخ سيف بوهج الحركة الوطنية المعتقلين على خلفية قنبلة مطار عدن عام 1963، وفي مقدمتهم المناضلين عبد الله عبد المجيد الأصنج وعبده حسين الأدهل، ليتعمد خط النضال المشترك داخل غياهب المعتقل.

– العودة والوفاء: من أوامر “سالمين” إلى تكريم دولة الإمارات:

بعد رحلة نضال شاقة، تلقى مدير أمن أحور برقية عاجلة من القيادي المناضل سالم ربيع علي (سالمين) بنقل الشيخ سيف وأسرته فوراً إلى زنجبار بكامل الحفاوة والسرية. وبسيارة عسكرية رتبها العقيد حسين عثمان عشال، نُقل الشيخ سيف ليلاً إلى منزله في قرية “الثمير” بردفان، حيث كان في استقباله عمالقة الثورة والاستقلال: علي عنتر، محمد صالح مطيع، صالح مصلح، وعلي شايع هادي، بأمر مباشر من “سالمين”، ليتوج هذا التاريخ الحافل بتقليده وسام الاستقلال 30 نوفمبر.

امتدت خيوط الوفاء للشيخ سيف إلى الخليج العربي؛ فحين نزح شمالاً بعد أحداث يونيو 1969، تلقى في عام 1980 دعوة رسمية من مؤسس دولة الإمارات، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وأثناء تواجده هناك، علم الشيخ محمد فريد بوجوده، فأقام مأدبة فاخرة على شرفه، شهدت مفاجأة دراماتيكية بحضور السير كينيدي تريفاسكس (المندوب السامي البريطاني الأسبق)، ليلتقي الخصوم القدامى في مناخ من الاحترام الذي يفرضه الرجال الصادقون.

– الختام: إجماع على السرير الأبيض:

حين ألمّت بالشيخ سيف وعكة صحية في العام 1995 استدعت سفره إلى القاهرة، تجسد الإجماع الوطني حول شخصه في أبهى صوره. فقد تداعى إلى غرفته بالمستشفى رمزان من نقائض السياسة وقمم النضال: السلطان علي عبد الكريم فضل والمناضل الكبير عبد الله الأصنج، ليقفا معاً للاطمئنان على صحته، مؤكدين أن الشيخ سيف حسن القطيبي لم يكن مجرد زعيم قبلي، بل كان حلقة الوصل، ورمز الأنفة، وجسر التلاقي الذي اتفقت على احترامه وتوقيره كل أطياف الحركة الوطنية اليمنية.

إن سيرة الشيخ سيف القطيبي ستبقى مدرسة ملهمة للأجيال في كيف تجتمع القيادة المشيخية الحكيمة، والكبرياء السياسي، والولاء الوطني المطلق تحت راية واحدة لا تقبل الانكسار.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com