بيان “الزنداني”.. عندما يتحول خطاب الشرعية إلى وثيقة إدانة ذاتية..!
أبين اليوم – خاص
جاء البيان الأخير لرئيس الحكومة اليمنية الموالية للرياض، شائع الزنداني، موجهاً إلى المواطنين في المناطق الخاضعة لإدارة حكومة صنعاء، محاطاً بلغة حملت دعوات إلى السلام وتحسين الأوضاع المعيشية، مع تحميل صنعاء مسؤولية تعثر العملية السياسية واستمرار الأزمة الاقتصادية.
غير أن القراءة التحليلية لمضامين الخطاب، في ضوء الوقائع السياسية والعسكرية التي رافقت مسار الأزمة اليمنية خلال السنوات الأخيرة، تفتح الباب أمام تفسيرات مغايرة حول الرسائل التي انتهى البيان إلى إيصالها عملياً.
ففي ملف السلام، انطلق البيان من اتهام صنعاء بعرقلة خارطة الطريق، بينما تشير قراءات سياسية إلى أن تجميد المسار التفاوضي ارتبط، وفق هذه الرؤية، بمتغيرات إقليمية ودولية أعقبت تصاعد التوتر في البحر الأحمر، وهو ما يجعل تحميل طرف واحد مسؤولية تعثر العملية السياسية موضع نقاش بين مختلف الأطراف المتابعة للملف اليمني.
أما في قضية الخطوط الجوية اليمنية وإدارة الرحلات، فقد ركز البيان على اتهام سلطات صنعاء بالتدخل في أعمال الشركة واحتجاز الطائرات، في حين ترى صنعاء أن الأزمة نتجت عن خلافات تتعلق بإدارة الإيرادات وآليات تشغيل الرحلات، معتبرة أن الإجراءات التي اتخذتها جاءت رداً على ما تصفه بمحاولات تقييد عمل مطار صنعاء وتقليص خدماته.
وفي ملف المنشآت الحيوية، تضمن البيان انتقادات لسياسات صنعاء، لكنه لم يتناول بصورة مباشرة تداعيات الضربات الجوية التي استهدفت بنى تحتية في مناطق سيطرتها، وهو ما دفع مراقبين إلى اعتبار أن غياب موقف واضح من تلك الضربات يترك مساحة واسعة أمام خصوم الحكومة لتعزيز خطابهم بشأن مفهوم السيادة والدفاع عن المنشآت المدنية.
كما أبرز البيان استمرار الحديث عن التنسيق مع السعودية والتحالف في معالجة الملفات الاقتصادية والخدمية، بما في ذلك دعم الموازنة وإدارة بعض الملفات الحيوية، وهو ما يفسره منتقدو الحكومة باعتباره دليلاً على استمرار الاعتماد على الدعم الخارجي في إدارة الشؤون الاقتصادية، بينما تعتبره الحكومة جزءاً من الشراكة القائمة مع الدول الداعمة لها.
وفي الجانب الاقتصادي، انتقد البيان استمرار تعطيل تصدير النفط، غير أنه لم يتطرق إلى الطرح الذي تتبناه صنعاء والقائم على ربط استئناف الصادرات بتخصيص عائداتها لصرف مرتبات موظفي الدولة في مختلف المحافظات، وهو ملف لا يزال يمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين منذ توقف الصادرات النفطية.
تحليل:
يعكس بيان شائع الزنداني استمرار حالة الانقسام العميق في الخطاب السياسي اليمني، حيث يقدم كل طرف روايته الخاصة للأزمة ويحمّل الطرف الآخر مسؤولية تعثر الحلول.
ومن هذه الزاوية، فإن فعالية أي خطاب سياسي لا تقاس فقط بما يتضمنه من اتهامات أو رسائل تعبئة، بل أيضاً بقدرته على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الواقع اليومي للمواطنين، وفي مقدمتها المرتبات والخدمات وحرية التنقل واستقرار الاقتصاد.
وفي المقابل، فإن القضايا التي أثارها البيان، مثل السلام والمطارات والنفط والسيادة، تبقى موضع خلاف سياسي بين الأطراف اليمنية، ولا يوجد بشأنها توافق جامع.
لذلك، فإن تقييمها يعتمد بدرجة كبيرة على الإطار السياسي الذي تُقرأ من خلاله، وهو ما يجعل أي استنتاجات حول صواب إحدى السرديات أو خطأ الأخرى تظل ضمن نطاق التحليل السياسي وليس الحقائق المتفق عليها.