واشنطن تنقلب على تفاهماتها مع طهران.. تصعيد عسكري جديد ومحاولة لجرّ الناتو إلى مواجهة في هرمز..!

5٬993

أبين اليوم – وكالات 

بعد أقل من أسبوع على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت واشنطن، وفق تطورات الأيام الأخيرة، بالابتعاد عن أبرز التزاماتها الواردة في الاتفاق، عبر استئناف الضغوط الاقتصادية والتصعيد العسكري، في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في مسار العلاقة بين الطرفين، وتثير تساؤلات حول مستقبل التهدئة وإمكانية عودة الحرب إلى مستويات أكثر اتساعاً، بالتوازي مع مساعٍ أمريكية لحشد دعم إقليمي ودولي لمواجهة جديدة في الخليج تحت مظلة حلف الناتو.

وخلال الساعات الماضية، شنت القوات الأمريكية هجوماً واسعاً وصفته القيادة المركزية الأمريكية بأنه الأكبر منذ توقيع مذكرة التفاهم، مستهدفاً مراكز ومنشآت مدنية، من بينها موانئ تصدير النفط على الخليج.

ورغم إعلان القيادة الأمريكية انتهاء الموجة الهجومية، إلا أن بيانها حمل إشارات واضحة إلى أن العمليات العسكرية قد تتواصل خلال الفترة المقبلة.

وجاء ذلك بعد ساعات فقط من إعلان وزارة الخزانة الأمريكية إلغاء التصريح الخاص ببيع النفط الإيراني، رغم مرور نحو عشرين يوماً فقط على دخوله حيز التنفيذ، في خطوة تمثل تراجعاً عن أحد أهم البنود التي تضمنتها مذكرة التفاهم.

وكان الاتفاق، الذي ضم أربعة عشر بنداً، قد نص على وقف التصعيد العسكري في مختلف الجبهات، ورفع الحصار، وإلغاء القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، إلا أن غالبية هذه البنود بقيت معلقة، بينما تعرض البندان الوحيدان اللذان دخلا حيز التنفيذ للتراجع عملياً مع القرارات الأمريكية الأخيرة.

وتشير هذه التطورات إلى أن واشنطن ربما تعاملت مع مذكرة التفاهم باعتبارها أداة لتحقيق أهداف مرحلية، وفي مقدمتها إعادة ضخ النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية لاحتواء أزمة الطاقة، قبل العودة إلى سياسة الضغط العسكري والاقتصادي بمجرد تحقق جزء من تلك الأهداف، وهو ما يعزز المؤشرات على دخول المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد.

وفي موازاة ذلك، يبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول نقل المواجهة مع إيران إلى إطار دولي أوسع، مستفيدة من انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، بعدما سبقت القمة رسائل أمريكية تحدثت عن تهدئة مؤقتة لإتاحة المجال أمام مراسم تشييع المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، قبل أن تنقلب سريعاً إلى تصعيد عسكري جديد.

وتبرر واشنطن هجماتها الأخيرة بأنها جاءت رداً على عمليات إيرانية استهدفت سفناً في مضيق هرمز، من بينها ناقلة غاز قطرية وناقلة نفط سعودية وأخرى يُعتقد أنها أمريكية، بينما تؤكد الرواية الإيرانية أن تلك السفن خرقت الخطوط الحمراء عبر استخدام الممر الجنوبي الذي تعتبره طهران خاضعاً للسيطرة الأمريكية ومحظوراً عليها.

ويتزامن هذا التصعيد مع دعوة الولايات المتحدة عدداً من الدول الخليجية، بينها السعودية والإمارات وقطر والبحرين، للمشاركة في اجتماعات مرتبطة بقمة الناتو في أنقرة، في مسعى يبدو أنه يهدف إلى بلورة موقف جماعي بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، خاصة بعد إعلان فرنسا وبريطانيا استعدادهما للمشاركة في قوة دولية لتأمين الممر البحري.

ويأتي هذا التحرك بعد أشهر من إخفاق واشنطن في حشد تحالف إقليمي ودولي واسع ضد إيران، ما يدفعها، وفق مراقبين، إلى إعادة صياغة استراتيجيتها عبر تدويل الأزمة الخليجية وربطها بأمن الطاقة العالمي، أملاً في إشراك حلفائها بصورة أكبر في أي مواجهة مقبلة.

تحليل:

تعكس التحركات الأمريكية الأخيرة تحولاً من سياسة الاحتواء المؤقت إلى استراتيجية تقوم على إعادة إنتاج الأزمة مع إيران بصيغة جديدة.

فمذكرة التفاهم، التي بدت في ظاهرها مدخلاً لتخفيف التوتر، تبدو اليوم وكأنها وفرت لواشنطن فترة لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والعسكرية قبل استئناف سياسة الضغط. وإلغاء تسهيلات تصدير النفط، بالتزامن مع توجيه ضربات عسكرية، يبعث برسالة مفادها أن الاتفاق لم يكن بالنسبة للإدارة الأمريكية إطاراً دائماً للتسوية، بل مرحلة تكتيكية قابلة للانقلاب عليها متى تغيرت الحسابات.

وفي المقابل، تدرك طهران أن المعركة لم تعد مقتصرة على المواجهة الثنائية مع الولايات المتحدة، بل تتجه نحو محاولة أمريكية لتدويل الصراع وإضفاء شرعية جماعية على أي تحرك عسكري في الخليج عبر بوابة الناتو وحلفاء واشنطن الإقليميين.

ولهذا تسعى إيران إلى فرض معادلة ردع تجعل أي مشروع لتشكيل قوة دولية أو انتزاع السيطرة على مضيق هرمز مكلفاً سياسياً وعسكرياً، وهو ما ينذر بأن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال الصراع من سياسة الضغوط المتبادلة إلى مواجهة أكثر اتساعاً، تتداخل فيها حسابات الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الدولية، بما يجعل أي شرارة جديدة قابلة لإشعال أزمة إقليمية ذات تداعيات عالمية.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com