بالأرقام.. 9336 عقاراً لليمنيين خلال 13 عاماً.. كيف نهبت قيادات الإصلاح أموال اليمنيين لشراء العقارات في تركيا..!
أبين اليوم – خاص
كشفت بيانات متداولة بشأن تملك اليمنيين للعقارات في تركيا عن قفزة لافتة في حجم عمليات الشراء خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع محطات سياسية وعسكرية واقتصادية مفصلية عاشها اليمن، بما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مصادر الأموال التي جرى تحويلها إلى السوق العقارية التركية، خصوصاً لدى شخصيات وقيادات سياسية يمنية مرتبطة بحزب الإصلاح، في ظل كون تركيا إحدى أبرز الوجهات التي احتضنت قيادات الحزب ومقربين منه ممن غادروا اليمن خلال سنوات الحرب.
وتظهر البيانات أن شراء اليمنيين للعقارات في تركيا كان محدوداً للغاية في السنوات الأولى؛ إذ لم يتجاوز 14 وحدة سكنية عام 2013، قبل أن يرتفع إلى 113 وحدة في 2014، ثم إلى 245 عقاراً عام 2015، بينها 244 وحدة سكنية وعقار تجاري واحد. وفي عام 2016، بلغ إجمالي المشتريات نحو 200 عقار، منها 195 وحدة سكنية و5 عقارات تجارية.
لكن التحول الأبرز بدأ عام 2017، عندما قفز العدد إلى 430 عقاراً، بينها 426 وحدة سكنية و4 عقارات تجارية، قبل أن يتضاعف تقريباً في 2018، مسجلاً 1003 عقارات، منها 965 وحدة سكنية و38 عقاراً تجارياً.
وفي عام 2019، بلغت المشتريات ذروتها وفق الأرقام المتداولة، بعدما سجلت 1928 عقاراً، بينها 1735 وحدة سكنية و193 عقاراً تجارياً. ثم تراجع الرقم إلى 1443 عقاراً في 2020، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 1586 عقاراً في 2021، و1453 عقاراً في 2022.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الفترة الممتدة من 2017 إلى 2022 مثلت المرحلة الأكثر كثافة في انتقال الأموال اليمنية إلى سوق العقارات التركية، وهي الفترة نفسها التي شهدت تحولات عسكرية وسياسية واقتصادية عميقة في اليمن، وصولاً إلى تصاعد المعارك في مأرب خلال 2021، وما رافقها من مغادرة شخصيات وقيادات محسوبة على حزب الإصلاح إلى الخارج.
ولا يعني التزامن الزمني، بحد ذاته، أن جميع عمليات شراء العقارات كانت مرتبطة بأموال غير مشروعة أو بأموال جرى إخراجها من اليمن، إلا أن حجم الارتفاع وتزامنه مع التحولات العسكرية والسياسية يفرضان سؤالاً أكثر جدية: ما مصادر الأموال التي دخلت السوق العقارية التركية خلال هذه المرحلة، ومن هم المستفيدون الفعليون من هذه الاستثمارات؟
وبحسب البيانات نفسها، بدأ منحنى الشراء بالانخفاض بعد عام 2022، بالتزامن مع إعلان الهدنة، ليسجل 376 عقاراً في 2023، و267 في 2024، و240 في 2025، فيما بلغ عدد العقارات المسجلة حتى أغسطس/آب 2026 نحو 165 عقاراً، بينها 154 وحدة سكنية و11 عقاراً تجارياً.
وتقول الأرقام إن إجمالي ما اشتراه اليمنيون في تركيا بين عامي 2015 و2025 بلغ 9171 عقاراً، منها 8433 وحدة سكنية و738 عقاراً تجارياً، ليرتفع العدد، مع إضافة المشتريات المسجلة حتى أغسطس/آب 2026، إلى نحو 9336 عقاراً.
وتزداد أهمية هذه الأرقام عند وضعها في سياق سوق العقارات التركية وقيمة العقارات المرتبطة بمسارات الإقامة؛ إذ تفرض السلطات التركية، وفق القواعد السارية لبعض مسارات الإقامة العقارية، حداً أدنى للقيمة المسجلة للعقار، ما يجعل حجم الأموال المتداولة في هذا القطاع أكبر من مجرد أرقام لعمليات شراء سكنية متفرقة.
تحليل:
المسألة هنا ليست في امتلاك اليمنيين للعقارات في تركيا بحد ذاته، فشراء الأصول خارج البلاد ليس جريمة ولا دليلاً تلقائياً على الفساد. المفارقة تبدأ عندما تتضخم حركة تحويل الأموال والاستثمار الخارجي في سنوات الحرب نفسها التي كان فيها الداخل اليمني يعيش انهياراً اقتصادياً..
وكانت الجبهات تستهلك ما تبقى من موارد الناس، فيما كان المقاتلون يُدفعون إلى خطوط النار تحت عنوان الصمود والتضحية. عندها يصبح السؤال المشروع ليس: من اشترى عقاراً؟ بل: من أين جاءت الأموال، وكيف خرجت، ومن مرّرها، ولماذا تركز جزء من هذا الاستثمار في بلد ارتبط سياسياً بإقامة قيادات يمنية محسوبة على تيارات بعينها؟
الأخطر أن فترة الذروة العقارية تتقاطع مع مرحلة شهدت انتقالاً واسعاً لمراكز النفوذ والأموال إلى الخارج، بما يجعل العقار التركي يبدو، في بعض الحالات، كجزء محتمل من اقتصاد ملاذات آمنة للنخب السياسية. وإذا كانت هناك قيادات أو شخصيات راكمت أصولاً بملايين الدولارات، فمن حق الرأي العام أن يعرف:
هل جاءت من نشاط تجاري مشروع، أم من رواتب ومخصصات سياسية، أم من عقود ومشاريع عامة، أم من موارد الحرب، أم من شبكات مالية استغلت انهيار الدولة؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها أرقام العقارات وحدها، لكنها تجعل التدقيق في مصادر الأموال ومسارات التحويل والمالكين المستفيدين ضرورة لا ترفاً.
أما المفارقة الأكثر قسوة، فهي أن اليمني الذي كان يُطلب منه البقاء في الجبهة والقتال وسط شح الرواتب والذخائر والإمكانات، لم يكن يعرف أن جزءاً من الطبقة السياسية التي تتحدث باسم المعركة قد يكون، في المقابل، منشغلاً ببناء أصول ما بعد الحرب خارج حدود البلاد. وهنا لا تعود القضية قضية عقارات في تركيا؛ بل تصبح سؤالاً عن اقتصاد الحرب نفسه: من دفع كلفتها، ومن راكم ثروتها، ومن يستعد لجني عوائدها بعد انتهائها؟