في جنوب أفريقيا.. كفنٌ بطول 30 مترًا يحمل أسماء 20 ألف طفل فلسطيني ارتقوا في غزة..!
أبين اليوم – وكالات
في مشهد رمزي حمل دلالات إنسانية وسياسية واسعة، رفع متظاهرون في مدينة كيب تاون، العاصمة التشريعية لجنوب إفريقيا، كفنًا ضخمًا بطول نحو 30 مترًا، كُتبت عليه أسماء نحو 20 ألف طفل فلسطيني، قال منظمو الفعالية إنهم قُتلوا في غزة خلال الحرب المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتجمع مئات المتظاهرين، أمس الأربعاء، أمام مركز كيب تاون للهولوكوست والإبادة الجماعية وسط المدينة، قبل أن ينطلقوا في مسيرة صامتة باتجاه كاتدرائية “سانت جورج”، لإحياء ذكرى الفلسطينيين الذين فقدوا حياتهم في غزة.
وبعد مسيرة امتدت لنحو كيلومترين، تجمع المشاركون داخل الكاتدرائية للمشاركة في مراسم تأبين مشتركة بين أتباع ديانات مختلفة، بمشاركة ممثلين عن المسلمين والمسيحيين واليهود، الذين استذكروا ضحايا غزة ووجهوا رسائل تضامن مع الشعب الفلسطيني.
وعقب المراسم، رفع المشاركون أمام الكاتدرائية الكفن الضخم الذي حمل أسماء الأطفال الفلسطينيين. وقال الناشط الجنوب إفريقي غلين هاريسون إن القائمة التي استخدمها المشاركون جرى الحصول عليها من أشخاص في فلسطين، وتضم أسماء نحو 20 ألف طفل، بينهم رضع.
وأوضح هاريسون أن أفرادًا من الكنائس والجماعات المسلمة وأطفالًا، إلى جانب يهود داعمين للفلسطينيين، شاركوا في كتابة الأسماء واحدًا تلو الآخر، في عمل استغرق نحو أسبوعين.
وقال هاريسون إن الرسالة التي أراد المشاركون إيصالها تتجاوز الانتماءات الدينية، مضيفًا أن الصراع، من وجهة نظره، لا ينبغي اختزاله في اليهودية، وإنما يتعلق بالصهيونية بوصفها أيديولوجيا سياسية، داعيًا إلى تعاون أتباع الديانات المختلفة والإنسانية جمعاء في دعم الفلسطينيين.
وتأتي الفعالية في سياق استمرار تداعيات الحرب على غزة، رغم إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025. ووفق الأرقام الواردة في المعطيات التي نقلتها المصادر، قُتل منذ إعلان وقف إطلاق النار 1467 فلسطينيًا وأصيب 5161 آخرون، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب استمرار الدمار والأزمة الإنسانية.
كما تتحدث التقارير عن استمرار القيود على دخول المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء والمنازل الجاهزة إلى القطاع، الذي يعيش فيه نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم نحو 2.15 مليون نازح.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أسفرت الحرب، وفق الأرقام المذكورة، عن أكثر من 74 ألف قتيل فلسطيني وما يزيد على 175 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، فيما طال الدمار نحو 90 بالمئة من البنية التحتية في القطاع.
تحليل:
لم يكن الكفن الذي امتد 30 مترًا في شوارع كيب تاون مجرد قطعة قماش تحمل آلاف الأسماء؛ فقد حوّل القتلى من أرقام متداولة في نشرات الأخبار إلى أسماء وأطفال وذاكرة بشرية.
وهذه هي قوة الرمز: الرقم يمكن أن يمرّ على الشاشة خلال ثوانٍ، أما الاسم المكتوب بخط اليد فيجبر المتلقي على التوقف أمام إنسان كان له عمر ووجه وعائلة وحياة لم تكتمل.
واللافت أن المشهد جرى أمام مركز يحمل في اسمه ذاكرة الهولوكوست والإبادة الجماعية، ثم انتقل إلى كاتدرائية شارك فيها مسلمون ومسيحيون ويهود.
بهذا المعنى، أصبحت كيب تاون مسرحًا لرسالة تتجاوز حدود التضامن السياسي المباشر: ذاكرة مأساة تاريخية تُستدعى لمساءلة مأساة حاضرة، والأديان المختلفة تجتمع حول الضحية بدل أن تتحول إلى جدار يفصل بينها.
باختصار.. في النهاية، لم يحمل المتظاهرون كفنًا لطفل فلسطيني واحد، بل حملوا عشرات الآلاف من الأسماء دفعة واحدة؛ وكأن المدينة أرادت أن تقول إن المأساة تبدأ حين تتحول الأسماء إلى أرقام، وإن استعادة الاسم هي أول أشكال استعادة الإنسان من النسيان.
ومن كيب تاون، حيث ارتبطت الذاكرة الوطنية لجنوب إفريقيا تاريخيًا بمقاومة الفصل العنصري، خرج المشهد بصورة تختصر جوهره: حين يعجز الرقم عن وصف الفاجعة، يتكفل الاسم بفعل ذلك.