“تقرير“| هل تنجح السعودية بجرّ عدن إلى حرب الشمال.. أم يقلب الانتقالي الطاولة..!
أبين اليوم – تقارير
لأول مرة منذ بدء الجولة الجديدة من المواجهات اليمنية – السعودية، أعلنت قوات صنعاء استهداف تحشيدات عسكرية سعودية قرب مطار عدن، في تطور لافت قد يحمل مؤشرات على تغير قواعد الاشتباك التي حكمت مسار المواجهات خلال الأشهر الماضية.
وظلت قوات صنعاء، منذ اندلاع المواجهات الجديدة، تتجنب تنفيذ عمليات مباشرة في المحافظات الجنوبية، رغم استخدام السعودية لهذه المناطق في عمليات نقل وتعزيز الفصائل التابعة لها، مع تأكيد صنعاء أن معركتها الأساسية تستهدف الوجود السعودي في المناطق الشمالية.
غير أن استهداف معسكر بدر المحاذي لمطار عدن، عقب وصول تعزيزات عسكرية سعودية إليه، يفتح الباب أمام احتمال انتقال المواجهة إلى نطاق جغرافي جديد، خصوصاً إذا استمرت الرياض في تحويل الجنوب إلى قاعدة لإدارة عملياتها العسكرية.
ومنذ يوليو الماضي، نفذت القوات اليمنية عشرات العمليات في شرق البلاد وغربها، من دون أن تعلن عن عملية مماثلة في الجنوب.
وكان هذا التجنب، بحسب الخطاب السياسي والعسكري الصادر عن صنعاء، مرتبطاً بحسابات تتصل بطبيعة القوى الجنوبية ومواقف قطاعات منها الرافضة للوجود السعودي، وعدم الرغبة في تحويل الصراع مع الرياض إلى مواجهة مباشرة مع القوى المحلية في الجنوب.
لكن المعادلة تبدو اليوم أكثر تعقيداً. فالهجوم على محيط مطار عدن جاء في وقت تشهد فيه المحافظات الجنوبية تحركات عسكرية متسارعة، بالتزامن مع وصول تعزيزات سعودية وإعادة ترتيب الفصائل المحلية، الأمر الذي يجعل الجنوب نفسه جزءاً متزايد الأهمية من الحسابات العسكرية السعودية.
وتأتي هذه التطورات أيضاً بعد خسارة السعودية مواقعها في غرب البلاد، وصولاً إلى سيطرة قوات صنعاء على تعز وفق المعطيات التي يستند إليها هذا الطرح، بما يضيّق هامش الحركة أمام الرياض ويدفعها بصورة أكبر إلى الاعتماد على المحافظات الجنوبية لإسناد عملياتها العسكرية وتحريك الفصائل المحلية نحو جبهات الشمال.
وفي هذا السياق، برز دفع السعودية بالفصائل الجنوبية، وفي مقدمتها العمالقة و”درع الوطن”، نحو التصعيد غرباً، بالتوازي مع تصريحات نائب رئيس المجلس الانتقالي الموالي للسعودية أبو زرعة المحرمي، التي تحدث فيها عن جاهزية فصائله للتصعيد شمالاً.
وتمثل هذه المواقف، وفق قراءة المشهد، خروجاً عن الخطاب التقليدي للانتقالي الذي ظل يركز على القضية الجنوبية ويرفض الانخراط في حرب استنزاف واسعة في الشمال.
غير أن التطور الأهم لا يزال مرتبطاً بموقف الانتقالي نفسه. فالحراك الشعبي والسياسي الذي يستعد له أنصاره في عدن بمناسبة 14 أكتوبر، بعد أيام من التحشيد، قد يتحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة القوى الجنوبية على مقاومة توظيف عدن والمحافظات الجنوبية في الحرب التي تديرها السعودية، خصوصاً إذا اتسعت العمليات العسكرية لتطال مناطق الجنوب بصورة مباشرة.
وعليه يمكن القول:
استهداف التحشيدات السعودية قرب مطار عدن لا يمكن فصله عن التحول الذي تشهده خريطة الحرب.
فالمسألة لم تعد مرتبطة بموقع عسكري هنا أو جبهة هناك، وإنما بمنع السعودية من بناء عمق عسكري آمن في الجنوب تستخدمه لإعادة تدوير الحرب شمالاً.
وكلما زادت الرياض من نقل قواتها وتعزيزاتها إلى عدن ولحج والساحل، أصبحت هذه المناطق، من منظور عسكري، جزءاً من شبكة الإسناد التي يمكن أن تدخل دائرة الاستهداف.
لكن صنعاء تواجه هنا معادلة أكثر حساسية من الجبهات التقليدية. فالجنوب ليس كتلة سياسية واحدة، والانتقالي نفسه يعيش تناقضاً بين ارتباط قياداته الخارجية وبين خطاب جنوبي يرفض الوصاية السعودية.
ولذلك فإن توسيع نطاق الضربات جنوباً قد يضع القوى الجنوبية أمام خيار صعب: إما قبول تحويل أراضيها إلى منصة للحرب السعودية، أو محاولة الفصل بين القضية الجنوبية وبين المعركة التي تريد الرياض جرّها إليها.
ومن هذه الزاوية، تبدو معادلة 14 أكتوبر أكثر من مجرد فعالية سياسية؛ إذ قد تتحول إلى مؤشر على اتجاه الشارع الجنوبي تجاه التحركات السعودية. فإذا نجح الانتقالي في فرض مسافة بينه وبين الحرب التي تدفع بها الرياض، فقد تجد السعودية نفسها أمام مشكلة أكبر من مجرد خسارة موقع عسكري، وهي فقدان البيئة المحلية التي تراهن عليها لتوسيع المواجهة شمالاً.
والخلاصة أن ضربة عدن، إن تأكدت تفاصيلها وتكررت، قد تكون بداية انتقال الحرب من استهداف الأدوات السعودية في الشمال إلى استهداف البنية التي تغذيها من الجنوب. وعندها لن يكون السؤال فقط: هل تستطيع السعودية فتح جبهة جنوبية ضد صنعاء؟ بل: هل تستطيع إبقاء الجنوب خارج دائرة الارتداد العسكري والسياسي الذي قد تفتحه هذه الجبهة نفسها؟
باختصار.. ما يجري يضع الرياض أمام مفارقة صعبة: كلما عجزت عن حسم المواجهة بأدواتها المباشرة، ازدادت حاجتها إلى الجنوب، وكلما زادت حاجتها إليه، اقتربت من تحويله إلى ساحة حرب لا يريد كثير من أبنائه أن تكون حربهم. وهنا تحديداً قد تبدأ الخطة السعودية في إنتاج عكس أهدافها.
أما صنعاء، فإن انتقالها إلى استهداف التحشيدات في عدن، إن تحول إلى مسار مستمر، يعني أن قاعدة الاشتباك نفسها آخذة في التغير. وعندها لن يكون الجنوب مجرد ساحة تستخدمها الرياض في حربها، بل قد يصبح هو المكان الذي تُختبر فيه قدرة السعودية على الاحتفاظ بنفوذها، وقدرة القوى الجنوبية على تحديد ما إذا كانت ستبقى طرفاً في المعادلة أم تتحول إلى وقود لها.