“مقالات“| أبين بين إخفاق القيادات وضياع الفرص.. حين تصبح المحافظة رهينة حسابات الفاشلين..!
أبين اليوم – خاص
إن المتأمل في طبيعة الأحداث والتطورات الأمنية والعسكرية التي تشهدها المحافظات الجنوبية، وفي مقدمتها محافظة أبين ومديرية المحفد على وجه الخصوص، لا يملك إلا أن يتوقف طويلاً أمام جملة من التساؤلات المحيرة بشأن طبيعة الاستهدافات التي تطال القوات الموالية للسعودية، والتي بات القتلى في عدد من حوادثها من أبناء المحافظات الشمالية، في مشهد يستدعي قراءة أعمق لطبيعة البيئة الاجتماعية والمواقف الشعبية المحيطة بهذه القوات.
ففي حادثة ليست ببعيدة، تعرض طقم عسكري يقل أفراداً تابعين لقوات “درع الوطن” قبل يومين لكمين مسلح في منطقة ضيعمان، الواقعة ضمن جبال “ضيقة المضيق” بمديرية المحفد، ما أسفر عن مقتل خمسة وإصابة اثنين آخرين، في منطقة تمثل أهمية استراتيجية بالغة، باعتبارها أحد الممرات الحيوية التي تربط محافظات الجنوب ببعضها.
واللافت في هذه الحادثة أنها وقعت خلال ساعات المساء، في ظل غياب أي انتشار عسكري يوفر الحماية اللازمة لتحركات تلك القوات على الطريق العام، رغم الأهمية الاستراتيجية للمنطقة وطبيعة الظروف الأمنية والعسكرية المحيطة بها. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن مستوى الحضور الأمني، ومدى قبول المجتمع المحلي بوجود هذه التشكيلات العسكرية وتحركاتها، خصوصاً أن مديرية المحفد ليست مجرد مساحة جغرافية عابرة، بل بيئة قبلية واجتماعية لها حساباتها ومواقفها وخصوصيتها الوطنية.
إن ما تكشفه هذه التطورات يتجاوز حدود الحوادث الأمنية المتفرقة، ويضعنا أمام حقيقة سياسية واجتماعية أكثر عمقاً، تتمثل في أن محافظة أبين تمتلك رصيداً وطنياً واجتماعياً لا يمكن اختزاله في مواقف بعض القيادات أو التشكيلات المسلحة الموجودة على أرضها. فهناك قطاعات واسعة من أبنائها تتمسك بالثوابت الوطنية، وترفض الارتهان للمشاريع الخارجية، وتحتفظ بمواقف سياسية لا تنسجم مع مسارات الاستقطاب والتوظيف العسكري الذي تشهده المحافظة.
وهنا تحديداً تبرز المفارقة المؤلمة: فبدلاً من قراءة هذه التحولات الاجتماعية والاستفادة منها عبر بناء علاقات وطنية قائمة على الثقة والاحترام والمصالح المشتركة، ظلت إدارة الملف الأبيني أسيرة اختيارات محدودة، وشخصيات لم تنجح في بناء حضور شعبي حقيقي، ولم تقدم نموذجاً قيادياً قادراً على استيعاب خصوصية المحافظة وتنوعها الاجتماعي والسياسي.
والأكثر إشكالية أن بعض الشخصيات المتصدرة للمشهد اليوم تفتقر إلى الثبات في المواقف والوضوح في المبادئ، وتتحرك وفق حسابات المصالح الشخصية وتبدل موازين النفوذ، حتى باتت مواقفها محل استياء واسع لدى قطاعات من المجتمع الأبيني. ومثل هذه النماذج لا يمكن التعويل عليها في بناء مشروع وطني أو إدارة ملف اجتماعي معقد؛ لأن من لا يمتلك مبدأ ثابتاً لا يمكن أن يكون حارساً لمشروع، ومن يجعل مصلحته الشخصية معياراً لمواقفه لن يكون وفياً لأي قضية عندما تتغير موازين المصالح.
ولا يشرف أي قيادة سياسية أي كانت أن تجعل مصير محافظة بحجم أبين رهناً بأشخاص أثبتوا عجزهم عن بناء قاعدة اجتماعية، أو بقيادات استهلكت رصيدها الشعبي في صراعات النفوذ والحسابات الضيقة. فالمواقع والمسميات لا تصنع القيادات، والارتباط بمراكز القرار لا يمنح صاحبه شرعية اجتماعية، كما أن امتلاك أدوات النفوذ لا يعني امتلاك القدرة على التأثير في المجتمع.
إن أبين أكبر من هذه الحسابات، وأعمق من أن تختزل في مجموعة أسماء تتناوب على المواقع والمصالح. فهي محافظة ذات تاريخ وطني وقبلي ونضالي، وتزخر بشخصيات اجتماعية وقبلية وإعلامية تمتلك من النزاهة والخبرة والحضور ما يؤهلها للمشاركة في إدارة شؤونها، بعيداً عن منطق المحاصصة والولاءات الشخصية وتدوير الفاشلين.
وعليه يمكن القول:
إن جوهر المشكلة في الملف الأبيني لا يكمن في نقص الإمكانات البشرية أو غياب الشخصيات الوطنية القادرة على التأثير، وإنما في الخلل الذي أصاب آلية اختيار القيادات وإدارة العلاقات الاجتماعية. فالمحافظات لا تُكسب بالمواقع العسكرية وحدها، ولا تُدار بالولاءات المؤقتة، وإنما تُكسب بالثقة والعدالة والإنصاف، وباحترام المجتمع وخصوصيته وإشراك شخصياته الحقيقية في صناعة القرار. وحين تُترك الساحة لأصحاب المصالح الضيقة، فإن الفراغ الذي يصنعونه لا يظل فراغاً إدارياً فحسب، بل يتحول إلى خسارة سياسية واجتماعية تتراكم آثارها بمرور الوقت.
إن المطلوب اليوم مراجعة جادة وشجاعة للملف الأبيني، تبدأ بإعادة تقييم القيادات التي أخفقت في أداء مسؤولياتها، وتنتهي بإفساح المجال أمام شخصيات نزيهة ومؤهلة، تمتلك جذوراً اجتماعية حقيقية، وتحظى باحترام مجتمعها، وتضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشخصية. فأبين لا تحتاج إلى مزيد من الأسماء المستهلكة، ولا إلى واجهات تتبدل مواقفها بتبدل المصالح، بل تحتاج إلى قيادة تعرف مجتمعها، وتفهم تاريخه، وتحترم إرادة أبنائه.
والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أصحاب القرار في حكومة صنعاء أن الفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، وأن المجتمعات والشخصيات والقيادات التي لا تجد من يصغي إليها ويحترم تطلعاتها تبحث عن مسارات أخرى للتعبير عن مواقفها.
ولذلك فإن استمرار إدارة أبين بالعقلية ذاتها لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين المجتمع والقيادات القائمة، وتبديد رصيد وطني واجتماعي كان بالإمكان البناء عليه.
فالمعركة الحقيقية ليست على من يتصدر المشهد، بل على من يمتلك أهلية قيادته؛ وليست في استعراض الولاءات، بل في كسب ثقة الناس. ومن يعجز عن فهم هذه المعادلة لا يستحق أن يحتكر تمثيل أبين أو يتحدث باسم أبنائها.
بقلم/ رئيس مجلس أحرار أبين