“مقالات“| مستقبل النفط وصراع الإرادات في جزيرة العرب: هل تصنع الصواريخ اليمنيّة نهاية عهد الوفرة..!

5٬892

أبين اليوم – خاص 

بقلم/ فيصل الخليفي:

تفرض التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة العربية، لا سيما مع تنامي القدرات الصاروخية اليمنيّة، نقاشاً استراتيجياً وسياسياً واسعاً حول مستقبل معادلات الطاقة العالمية.

وفي ظل الاستقطاب الحاد، تبرز قراءات وتنبؤات ترى في استهداف المنشآت النفطية في شبه الجزيرة العربية وسيلة لتحويل هذه الآبار إلى ما يشبه “البراكين المشتعلة” التي قد تعصف باقتصادات دول الخليج والبلدان الغربية والولايات المتحدة، كإجراء عقابي وضغط لوقف ما يُوصف بتوظيف الثروة النفطية في تدمير الشعوب واشعال الأزمات الداخلية. فكيف تُقرأ هذه التنبؤات بين الواقع السياسي والمنظورين العلمي والاستراتيجي؟

– النفط كأداة للصراع وتدمير الشعوب: جذور المظلومية السياسية:

ينطلق أصحاب هذا الطرح من قراءة تاريخية ترى أن النفط العربي، بدلاً من أن يكون رافعة لنهضة الأمة العربية بأكملها، تحول في كثير من المحطات إلى لعنة جيوسياسية.

وتستند هذه الرؤية إلى أن العوائد الضخمة للذهب الأسود وُظِّفت لتمويل حروب بالوكالة وتغذية النزاعات الأهلية التي مزقت نسيج مجتمعات عربية عديدة، وفي مقدمتها اليمن. وفي المقابل، استغل الغرب والولايات المتحدة هذه الثروات لبناء نهضتهم الاقتصادية وتأمين تفوقهم التكنولوجي والعسكري، بينما تُركت شعوب المنطقة تواجه الحصار، والفقر، والدمار.

ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الضربات الصاروخية كأداة لكسر هذه الدورة وإنهاء التفوق الاقتصادي المبني على استغلال مقدرات المنطقة.

– عصب الاقتصاد الغربي وأزمة سلاسل الإمداد:

لا يمكن إغفال الحقائق الحالية التي تؤكد أن نفط الخليج لا يزال يمثل العصب الحيوي لاقتصادات أوروبا وأمريكا ومحركاً أساسياً لأسواقها.

وتتجلى هذه الأهمية في الأزمات الراهنة، حيث تعم الدول الغربية موجات غلاء حادة وتضخم في أسعار المواد الغذائية، مما أشعل مظاهرات احتجاجية في عدة مدن أوروبية. وتذهب دول مثل بريطانيا في أوقات الأزمات الكبرى إلى حد نصح مواطنيها بتخزين السلع الأساسية تحسباً لشح الإمدادات.

هذا الارتباك الكبير الذي تشهده الأسواق الغربية اليوم يعود بشكل مباشر إلى الضغوط المفروضة على الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، وهو ما يضع التساؤل الأكبر مطروحاً: إذا كان مجرد التهديد بإغلاق المضائق أو تراجع دفقات الشحن يسبب هذه الأزمات المعيشية العميقة في الغرب، فكيف سيكون الحال إذا اشتعلت آبار النفط ذاتها ودخلت في حرائق كبرى قد تتطلب سنوات طوال لإطفائها وإعادة تأهيلها؟ إن هذا السيناريو يعني وضع حد تام لمعادلات الوفرة وشللاً طويل الأمد للاقتصاد العالمي المعتمد على طاقة المنطقة.

– النفوذ الإقليمي والتناقض الإنساني: بين البذخ الخارجي والمعاناة العربية:

يأتي في صلب هذه القراءات السياسية نقد لاذع يوجهه طيف واسع من الكوادر والسياسيين والمحللين العرب لما يُوصف بـ”العربدة الدبلوماسية والمالية” لبعض دول الخليج، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والسعودية. حيث تشير التحليلات إلى أن هذه العواصم وظفت ثرواتها النفطية الهائلة لتوسيع نفوذها السياسي عبر التدخل المباشر أو غير المباشر في الشؤون الداخلية لبلدان عربية عديدة.

ويسلط هذا التوجه الضوء على دور الأموال النفطية في تأجيج الصراعات وإشعال الحروب التي طالت اليمن، والسودان، وليبيا، بالإضافة إلى اتهامات بمحاولة هندسة المشهد السياسي والاقتصادي في دول أخرى كالجزائر وتونس لخدمة مصالح محددة والتأثير على صناعة القرار في العواصم الغربية.

ويرى أصحاب هذا النقد تناقضاً صارخاً يثير السخط الشعبي والضمير الإنساني؛ ففي الوقت الذي تُهدر فيه مئات المليارات من أموال النفط في الغرب على مظاهر البذخ، والترفيه، وشراء الجزر الخاصة, والأندية الرياضية والأسواق الفاخرة، يواجه الملايين من أبناء الشعوب العربية في فلسطين، والصومال، والسودان، واليمن شبح الجوع الشديد، والفقر المدقع، والنزوح المستمر.

هذا التفاوت الطبقي والإنساني الرهيب بين وفرة باذخة تدعم استثمارات الغرب ومآسٍ معيشية تطحن الشعوب الشقيقة يعزز من التنبؤات والآمال الشعبية التي ترى في استهداف منشآت الطاقة بداية النهاية لما يصفونه بـ”الغطرسة الغربية” والعربدة الإقليمية، وخطوة أولى نحو إجبار القوى المهيمنة على مراجعة سياساتها التدميرية.

– نداء العقل والتحذير الأخير: تفكيك السياسات الانتحارية:

أمام هذه المشهدية القاتمة والمخاطر المحدقة، يتجاوز النقد الأكاديمي حدود التوصيف البارد ليتحول إلى جرس إنذار شجاع وحماسي موجه مباشرة إلى قادة وعواصم القرار في الخليج. إن استمرار السياسات الإقليمية القائمة على التدخل وتأجيج الحروب في دول الجوار العربي لم يعد مجرد خطأ أخلاقي أو استنزاف مالي، بل غدا انتحاراً استراتيجياً مكتمل الأركان.

إن معادلة “الأمن الخليجي المفرط مقابل الدمار العربي المحيط” قد سقطت عملياً وصاروخياً؛ فالأمن لا يمكن تجزئته، والنار التي أُشعلت في صنعاء، والخرطوم، وطرابلس أوجدت أجيالاً وقوى جديدة لامتلاك أدوات ردع استراتيجية قادرة على نقل المعركة مباشرة إلى قلب الشرايين المغذية للاقتصاد العالمي ومراكز الرفاه الخليجي.

على قادة الخليج أن يدركوا أن غطاء الحماية الغربية والأمريكية هو وهم تكشفه الأزمات؛ فالغرب يفتش عن مصالحه ومصادر طاقته، وحين تصبح آبار النفط عبئاً أمنياً أو ساحة مشتعلة، ستتخلى هذه القوى الدولية عن حلفائها لتأمين بدائلها الخاصة. إن التبذير المالي الباذخ في العواصم الغربية والاستقواء بها ضد الأشقاء لن يشتري صكوك أمان دائمة أمام شعوب عربية مندفعة بدافع الجوع والمظلومية التاريخية لاسترداد حقها في الحياة والاستقرار.

التغيير الجذري والشجاع في السياسة الخارجية الخليجية، ووقف التدخلات العبثية، والانتقال من عقلية الهيمنة المالية إلى عقلية الشراكة القومية الحقيقية، هو السبيل الوحيد لمنع سيناريو الانفجار الكبير الذي لن يوفر أحداً.

– خاتمة وإنذار: حتمية الحصاد وسقوط الأوهام
ختاماً، يرتفع اليوم إنذار أخير وقاطع لا يقبل المواربة، موجه برسم التهديد المباشر إلى ثلاثي التدمير المشترك: قادة عواصم الخليج المتورطة، والإدارتين الأمريكية والبريطانية. إن ما اقترفته هذه القوى بحق الجغرافيا العربية من حروب وحصار، وما قدمته من دعم عسكري وسياسي مطلق وغير مشروط للكيان الصهيوني في حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، قد خرج اليوم عن السيطرة وبدأ يرتد كالسيل الجارف وبالاً وناراً على صانعيه.

لم يعد بإمكان العواصم الغربية أو مراكز النفوذ الخليجي أن تنعم بالرفاه والوفرة بينما تتفرج على دماء العرب وأشلاء الأطفال في غزة وصنعاء والخرطوم. إن سنن التاريخ وحقائق الميدان تؤكد أن مرحلة “عربدة السياسات الإجرامية” قد بلغت خط النهاية، وأن اللحظة الراهنة هي ساعة الحصاد المر لكل ما زرعته أيديكم من دمار وفتن.

على واشنطن ولندن وعواصم التواطؤ الإقليمي أن تستعد لدفع الثمن الباهظ لخياراتها؛ فالمظلومية التاريخية للشعوب المضطهدة لم تعد مجرد صرخات في الفراغ، بل تحولت إلى إرادة خشنة، وصواريخ عابرة، وحصار بحري مطبق، كفيل بانتزاع الحقوق وقلب الطاولة بالكامل لتصنع فجراً جديداً تسقط فيه عروش الغطرسة والهيمنة إلى الأبد.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com