“تقرير خاص“| ​من “الوديعة“ إلى “الربع الخالي“.. كواليس التحركات السعودية العسكرية والتقنية لابتلاع صحراء اليمن..!

7٬984

أبين اليوم – خاص 

لم يعد الطموح السعودي في صحراء اليمن الشرقية مجرد هواجس سياسية أو أطماع تاريخية عابرة، بل تحول إلى “هجوم جيوسياسي” مكتمل الأركان، يتحرك على ثلاثة مسارات متوازية: العسكر، المال، والتقنية.

فبينما ينشغل الداخل اليمني بصراعات الهوية والرواتب، تمارس الرياض عملية “قضم سيادي” ممنهجة للشريط الحدودي الممتد من المهرة إلى حضرموت، مستغلةً “غطاءً شرعياً” تمنحه حكومة العليمي مقابل البقاء الهش في السلطة.

إن ما يجري اليوم في مديرية “العبر” وما تعرضت له “الخراخير” من محوٍ رقمي على خرائط “جوجل”، ليس مجرد إجراءات تنظيمية، بل هو “إعدام جغرافي” لهوية الأرض اليمنية. السعودية اليوم لا تكتفي بالسيطرة العسكرية عبر فصائل “الطوارئ” المستحدثة، بل تذهب نحو شرعنة “الاستعمار الجيولوجي” عبر مذكرات تفاهم غامضة، تمنحها الحق في استباحة ثروات النفط والمعادن النادرة في مناطق ظلت لعقود عصية على الابتلاع بفضل صمود القبائل.

هذا الزحف الذي وصل لعمق 50 كيلومتراً داخل الأراضي اليمنية، وإزاحة منفذ “الوديعة” للداخل، يعكس استراتيجية “فرض الواقع المرير”. إنها معركة تدار بصمت استخباري، حيث تُستبدل الحدود الدولية بـ”خطوط نار” ومناطق عازلة، ويُحول التراب اليمني الغني بالكنوز إلى “ملحق جيولوجي” للمملكة، في ظل غياب تام للسيادة الوطنية، وتحويل قادة البلاد إلى مجرد “شهود زور” على أكبر عملية سطو جغرافي في التاريخ اليمني الحديث.

مذكرة التفاهم الجيولوجية:

أعلن مجلس الوزراء السعودي، منتصف الأسبوع الماضي، تفويض وزير الصناعة والثروة المعدنية بالتباحث مع حكومة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن مشروع مذكرة تفاهم في المجال الجيولوجي.

ورغم تقديم الخطوة في إطار «تعاون فني»، يرى مراقبون أن الاتفاقية تمثل غطاءً لتحركات أوسع على الأرض، خصوصاً في ظل غياب أي تفاصيل معلنة حول طبيعة الدراسات أو نطاقها الجغرافي، مع ترجيحات بأن تشمل المناطق اليمنية الحدودية، بوصفها من أغنى مناطق البلاد بالمعادن إلى جانب الثروات النفطية.

التحركات السعودية في العبر:

تزامنت مذكرة التفاهم مع تحركات ميدانية لافتة في مديرية العبر بمحافظة حضرموت، وهي من أكبر المديريات الصحراوية في اليمن.
وتحدثت وسائل إعلام عن مساعٍ سعودية لنقل منفذ الوديعة إلى موقع متقدم داخل مديرية العبر، بعمق يصل إلى نحو 50 كيلومتراً داخل الأراضي اليمنية.

وجاء ذلك بالتوازي مع إعلان فصائل موالية للرياض إحكام السيطرة على المديرية وتحويلها إلى منطقة عمليات عسكرية، وانتشار تشكيلات تُعرف باسم «الطوارئ» بدعم سعودي، ما عزز فرضية إعادة ترتيب الواقع الحدودي في المنطقة.

امتداداً لما يجري في الخراخير:

ويربط مراقبون ما يحدث في العبر بما يجري في منطقة الخراخير الصحراوية الواقعة على تخوم الربع الخالي، حيث تتزامن التحركات العسكرية السعودية – وفق المعطيات المتداولة – مع مساعٍ لطمس الهوية اليمنية للمنطقة.

ووفق ما تداولته وسائل إعلام، فإن السعودية تقدمت، أواخر يناير الماضي، بطلب رسمي إلى شركة Google لإزالة قرى يمنية في الخراخير من الخرائط الرقمية، وهو ما قيل إن الشركة استجابت له، حيث لوحظ اختفاء اسم المنطقة وعدد من قراها من الخرائط بالتزامن مع التحركات العسكرية على الأرض.

وبحسب هذه المؤشرات مجتمعة – من مذكرة التفاهم الجيولوجية، إلى إعادة تموضع المنفذ الحدودي، مروراً بالتحركات العسكرية والتغييرات الخرائطية – يتشكل مشهد يوحي بمحاولة فرض واقع جغرافي جديد في المناطق اليمنية الواقعة خلف الشريط الحدودي الشرقي مع محافظتي حضرموت والمهرة.

وعليه يمكن القول:

الخلاصة التي تفرضها الوقائع على الأرض أن ما تنفذه السعودية في الشرق اليمني لم يعد مشروع نفوذ قابل للضبط أو الاحتواء، بل مسار تراكمي لإفراغ الحدود من معناها السيادي وتحويلها إلى مجال مفتوح لإعادة التشكيل وفق ميزان القوة وحده، وعلى حساب دولة اسمها اليمن.

فحين تُدار الجغرافيا عبر اتفاقات «فنية»، وتُضبط الأرض عبر تشكيلات عسكرية محلية، ويُعاد تعريف المكان على الخرائط الرقمية، ثم يُترك المجال السياسي بلا أي موقف سيادي من السلطة المفترضة، فإن ما يجري يتجاوز منطق الوصاية أو الشراكة إلى منطق الاستحواذ الصامت.

الأخطر أن استمرار هذا المسار في نطاق محافظتي حضرموت والمهرة لا يعني فقط خسارة عمق صحراوي أو شريط حدودي، بل فتح سابقة خطيرة عنوانها أن الثروة والفراغ الجغرافي يمكن اقتطاعهما عملياً دون حرب، ودون اتفاق حدودي، ودون حتى إعلان سياسي.

وإذا استمر هذا الصمت الرسمي، فإن ما يُعاد رسمه اليوم في العبر والخراخير لن يبقى ملفاً حدودياً عابراً، بل سيتحول إلى واقع سيادي جديد يُفرض بالأمر الواقع، وتُبنى عليه خرائط، واستثمارات، وترتيبات أمنية طويلة الأمد.

عندها لن يكون السؤال: كيف تمددت السعودية داخل الشرق اليمني؟ بل لماذا تُرك الشرق كله بلا دولة تحمي حدوده، ولا سلطة تملك حتى شجاعة الاعتراض.

كما تكشف التطورات الأخيرة عن انتقال التعاطي السعودي مع الشريط الحدودي الشرقي من سياسة النفوذ الأمني غير المباشر إلى مقاربة أكثر عمقاً تمس الجغرافيا نفسها.

فمذكرة التفاهم الجيولوجية، في هذا التوقيت، لا يمكن فصلها عن إعادة ترتيب الانتشار العسكري في العبر، ولا عن الجدل المتصاعد حول الخراخير وتخوم الربع الخالي. الجمع بين أدوات «فنية» مثل الدراسات الجيولوجية، وأدوات سيادية حساسة مثل نقل منفذ حدودي، إلى جانب تحركات عسكرية وتغييرات على الخرائط الرقمية، يشير إلى مسار متكامل لإعادة تعريف المجال الحدودي شرق اليمن.

الأخطر في هذا المسار أنه لا يقتصر على إدارة أمن الحدود، بل يفتح الباب أمام إعادة ترسيم غير معلن لمناطق نفوذ وثروات في واحدة من أكثر المناطق اليمنية حساسية من حيث الموارد والامتداد الجغرافي، ما يجعل حضرموت والمهرة مرشحتين للتحول إلى ساحة صراع سيادي طويل الأمد، لا مجرد ساحة ترتيبات أمنية مؤقتة.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com