“تحليل“| جنوب اليمن على صفيح إعادة التشكل: صراع الحلفاء يتحول إلى معركة نفوذ مفتوحة..!
أبين اليوم – تقارير
لا يمكن قراءة المشهد في جنوب وشرق اليمن باعتباره مجرد سلسلة توترات بين فصائل محلية أو خلافات عابرة داخل معسكر واحد، بل هو تعبير مكثف عن مرحلة انتقالية أكثر خطورة: تفكك مركز القرار وتعدد مراكز النفوذ داخل جغرافيا يفترض أنها تحت إدارة تحالف واحد.
ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بتباين في الأولويات بين أطراف متحالفة نظريًا، بل بإعادة تعريف فعلية لمفهوم السلطة على الأرض، حيث تتحول الفصائل المحلية من أدوات تنفيذ إلى فاعلين مستقلين يعيدون رسم خرائط النفوذ وفق حساباتهم الخاصة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “التحالف” أقل واقعية من الحديث عن “تعايش قلق” بين مشاريع سياسية متنافسة، لكل منها امتداده الإقليمي وأدواته المحلية.
ومع تراكم الاحتكاكات، لم يعد الخلاف محصورًا في إدارة المحافظات أو تقاسم النفوذ الأمني، بل امتد ليطال جوهر المعادلة: من يملك حق تمثيل الأرض وإعادة تشكيل مستقبلها السياسي. وهنا تحديدًا يتكشف العمق الحقيقي للأزمة، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية في صيغة معقدة تجعل الاستقرار استثناءً مؤقتًا لا قاعدة دائمة.
يرى مراقبون أن التحركات المتصاعدة للمجلس الانتقالي، الموالي للإمارات، ليست مجرد تفاصيل لمقاومة قرارات حل المجلس وملاحقة قيادته بتهمة الخيانة العظمى، حسب قرارات “رئيس مجلس القيادة الرئاسي”، المدعوم من السعودية رشاد العليمي، حيث يبدو أن تصرفات المجلس الانتقالي، تنطلق من قاعدة الندية والتحدي للهيمنة السعودية في مناطق جنوب وشرق اليمن.
ويجمع الكثير من المراقبين، أن حالة النزق التي تتخذها قيادة المجلس الانتقالي لا يمكن بأي حالة من الأحوال التعامل معها باعتبارها تحدياً للسعودية بقدر كونها تعبيراً عن حالة رضى سعودي تجاه المكونات التي تتبنى تقسيم اليمن، وهي موافقة ضمنية تظهر جلية من خلال حالة التراخي التي تبديها الرياض تجاه تحركات التمرد التي ينفذها الانتقالي في مناطق جنوب وشرق اليمن.
أمس الأحد كانت محافظة الضالع المعقل الرئيسي للمجلس الانتقالي الجنوبي على موعد مع مرحلة جديدة من التصعيد، حيث أقدمت الفصائل الموالية للإمارات على طرد المحافظ الذي عينته السعودية في محافظة الضالع، وهي واقعة تعد الأولى من نوعها، في سلسة المواجهات القائمة بين أتباع الرياض وابوظبي منذ طرد الأخيرة من اليمن على يد السعودية في يناير الماضي.
واقعة طرد المحافظ الموالي للسعودية من محافظة الضالع، تأتي وسط سلسلة من التحركات التي تنفذها الفصائل الموالية للإمارات، والتي وصلت إلى حد إحراق صور الملك السعودي وولي عهده والدوس عليها خلال المظاهرات التي ينفذها أنصار الانتقالي.
ويبدو أن ما تفعله الفصائل الموالية للإمارات، ليس سوى مقدمات ضمن حلقات متواصلة لا يستبعد أن تدعي الرياض على أساسها “حق” الفصائل الموالية للإمارات بتقسيم اليمن على أساس أن تلك الفصائل تمثل قوة فعلية على الأرض لا يمكن قمعها أوتجاهلها، وليست مجرد نمر من ورق، لم يصمد يوما واحدا في وجه الهجوم السعودي خلال قيام الفصائل الموالية للإمارات باجتياح محافظة حضرموت، إلا أن تلك الفصائل تحولت لأسباب مثيرة للاستغراب إلى بعبع تعجز السعودية عن لجمه؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن السعودية لا تمتلك ما يكفي من الإرادة لمعارضة أي توجهات أمريكية ـ إسرائيلية لتقسيم اليمن.
وعليه يمكن القول:
في المحصلة، ما يشهده جنوب وشرق اليمن لا يمكن التعامل معه كأحداث منفصلة أو ردود فعل ظرفية، بل كمسار تراكمي يعكس تحولات أعمق في بنية السلطة داخل البلاد.
فالمشهد لم يعد قائمًا على اصطفاف واضح بين مركز ومعارضة، بل على شبكة معقدة من القوى المتداخلة التي تتنافس داخل الفراغ نفسه، وتعيد تعريف حدود السيطرة والنفوذ بشكل مستمر.
وإذا كان هذا الواقع يفتح الباب أمام احتمالات سياسية متعددة، فإنه في الوقت ذاته يكرّس حالة من عدم اليقين، حيث تصبح كل خطوة ميدانية قابلة لإعادة التأويل السياسي، وكل تصعيد محلي جزءًا من لوحة إقليمية أوسع لم تُحسم بعد ملامحها النهائية.