“تقرير“| آثار اليمن المنهوبة.. كيف تحولت حضارة عمرها آلاف السنين إلى سلعة في مزادات الغرب..!
أبين اليوم – تقارير
لم تعد قضية الآثار اليمنية المنهوبة مجرد أرقام تضاف إلى قوائم الفقدان المتزايدة، بل تحولت إلى ملف ثقافي وسيادي بالغ الخطورة، يكشف عن واحدة من أكبر عمليات استنزاف التراث الحضاري في المنطقة.
فمع كل قطعة أثرية يمنية تظهر في متحف غربي أو تتصدر منصة مزاد دولي، تتجدد التساؤلات حول كيفية خروج هذه الكنوز من موطنها الأصلي، والجهات التي تقف خلف شبكات تهريبها والاتجار بها.
وفي أحدث تطورات هذا الملف، كشفت الهيئة العامة للآثار والمتاحف في صنعاء عن عشرات القطع الأثرية اليمنية النادرة التي تم رصدها داخل متاحف ومزادات في بريطانيا والولايات المتحدة، ما أعاد تسليط الضوء على حجم النزيف الذي تعرض له التراث اليمني خلال سنوات الحرب والفوضى.
– قائمة جديدة تكشف حجم النزيف:
أعلنت الهيئة العامة للآثار والمتاحف في صنعاء، الأربعاء، نشر القائمة رقم 33 للقطع الأثرية اليمنية المنهوبة، والتي جرى تتبعها ورصدها في متاحف ومزادات خارجية.
ووفق بيان الهيئة، تضم القائمة الجديدة 58 قطعة أثرية يمنية نادرة موزعة على مجموعتين؛ الأولى تشمل 44 قطعة من الحلي الذهبية وإناءً حجرياً من آثار وادي بيحان التابعة لمملكة مملكة قتبان، وهي محفوظة حالياً في المتحف البريطاني.
وأشار البيان إلى أن هذه القطع دخلت المتحف عام 1977 عبر تاجر الآثار البريطاني نيكولاس رايت، بعد أن كانت بحوزة أحد مشايخ بيحان، لافتاً إلى أن سجلات المتحف تكشف ارتباط هذه القطع بحركة تجارة الآثار اليمنية خلال سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي.
أما المجموعة الثانية فتضم 13 قطعة أثرية يمنية تشمل تماثيل ولوحات وشواهد قبور، عرضت للبيع خلال شهري مايو ويونيو 2026 في مزادات “Freemans” و“Artemis Fine Arts”.
– نهب منظم للذاكرة اليمنية:
ويرى باحثون ومختصون أن ما تتعرض له الآثار اليمنية لا يقتصر على سرقة قطع تاريخية متفرقة، بل يمثل استهدافاً ممنهجاً لذاكرة اليمن الحضارية الممتدة من ممالك مملكة سبأ ومملكة معين ومملكة حمير إلى العصور الإسلامية المختلفة.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت مزادات أمريكية وأوروبية إلى منصات متكررة لبيع آثار يمنية نادرة، بينما يؤكد مختصون أن كثيراً من تلك القطع خرجت عبر شبكات تهريب منظمة استغلت حالة الحرب والانهيار الأمني في البلاد منذ عام 2015.
وتشير تقارير وباحثون يمنيون إلى أن عمليات تهريب الآثار تصاعدت بصورة لافتة مع اندلاع الحرب، في ظل اتهامات موجهة لدول التحالف وشخصيات نافذة بالتورط في شبكات تهريب منظمة تنقل القطع الأثرية إلى أسواق الفن العالمية.
– وثائق وتسريبات تكشف شبكات التهريب:
وأعادت التطورات الأخيرة إلى الواجهة وثائق مسربة جرى تداولها عام 2021، تحدثت عن تحقيقات مرتبطة بشبكات تهريب آثار يمنية إلى أوروبا عبر دول إقليمية.
وبحسب تلك الوثائق، فقد ألقت الشرطة البريطانية القبض على مهربين سعوديين في لندن، قبل أن يتم إبلاغ السفارة السعودية، في قضية قيل إنها مرتبطة بتهريب آثار يمنية إلى الخارج.
كما تحدثت التسريبات عن ضبط كميات كبيرة من القطع الأثرية داخل مبنى مهجور قرب الرياض، وسط اتهامات بتورط شخصيات نافذة وشبكات منظمة في عمليات التهريب والاتجار.
– الإمارات وخطوط التهريب الدولية:
وخلال الأعوام الماضية، برز الباحث اليمني المتخصص في تتبع الآثار المنهوبة، عبدالله محسن، كأحد أبرز من وثقوا مسارات تهريب الآثار اليمنية إلى الخارج.
وكشف محسن في سبتمبر 2023 تفاصيل رحلة تهريب قطعة أثرية يمنية عبارة عن شاهد جنائزي من آثار الجوف، انتقلت – بحسب توثيقه – من اليمن إلى سوق الفن في الإمارات، ثم إلى الولايات المتحدة، قبل أن تظهر لاحقاً داخل معرض أقيم في القدس.
وأوضح أن القطعة تعود إلى دولة معين القديمة، ويرجع تاريخها إلى ما بين القرن الخامس والثالث قبل الميلاد، وكانت قد بيعت عبر مزاد تابع لدار كريستيز في نيويورك عام 2011، قبل أن تعرض لاحقاً في معرض أقيم بمدينة القدس عام 2021.
– سباق لاستعادة ما تبقى:
وجددت الهيئة العامة للآثار والمتاحف في صنعاء تأكيدها على مواصلة جهود رصد وتتبع القطع الأثرية اليمنية المعروضة في الخارج، وإبلاغ المنظمات الدولية المختصة تمهيداً للمطالبة باستعادتها.
ودعت الهيئة المؤسسات الدولية المعنية بحماية التراث الإنساني إلى التحرك العاجل لوقف عمليات بيع الآثار اليمنية، والعمل على إعادة الممتلكات الثقافية إلى موطنها الأصلي.
الخلاصة:
تكشف قضية الآثار اليمنية المنهوبة عن بعد آخر للحرب يتجاوز الصراع العسكري والسياسي، ليطال الهوية التاريخية والحضارية لليمن.
فعمليات تهريب الآثار لم تعد أعمالاً فردية معزولة، بل تحولت إلى تجارة منظمة عابرة للحدود تستفيد من الفوضى والانهيار المؤسسي. كما أن ظهور القطع اليمنية في متاحف ومزادات عالمية يكشف حجم الشبكات الدولية المتورطة في الاتجار بالتراث، وسط عجز دولي واضح عن وقف هذا النزيف الثقافي. وفي ظل استمرار الحرب والانقسام، تبدو معركة حماية الذاكرة اليمنية واستعادة آثارها واحدة من أكثر المعارك تعقيداً وأهمية في تاريخ اليمن الحديث.
وعليه يمكن القول:
لا يمكن النظر إلى النهب الممنهج للآثار اليمنية بمعزل عن الحرب التي تشنها دول التحالف منذ 2015؛ فالأمر هنا يتجاوز فكرة “الفوضى المستغلة” ليصل إلى ما يشبه السياسة الممنهجة لتفريغ اليمن من ذاكرته المادية، وتحويل تراثه الحضاري إلى سلعة في أسواق الفن العالمية، وإلى غنيمة حرب تُوزع أدوار تهريبها بين شبكات محلية وأخرى إقليمية ودولية.
إن ما تكشفه قوائم القطع الأثرية المرصودة في المتاحف والمزادات الغربية ليس مجرد خسائر ثقافية متراكمة، بل أرشيف اتهام صامت يوثق مسارات جريمة متعددة الجنسيات، تبدأ من مواقع التنقيب غير المشروع في وديان الجوف وبيحان وشبوة، وتمر بمنافذ التهريب في دول التحالف، لتستقر في واجهات العرض بلندن ونيويورك والقدس.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن استهداف آثار اليمن لا يقل تدميراً عن استهداف أحيائه؛ فغارات الطيران التي سوّت المدن التاريخية بالأرض، وأيادي النهب التي عبثت بالمواقع الأثرية، تتكاملان في مشروع واحد يستهدف إفقاد اليمنيين ليس فقط حاضرهم ومستقبلهم، بل ماضيهم أيضاً، في محاولة لخلق قطيعة قسرية بين الإنسان اليمني وامتداده الحضاري الضارب في أعماق التاريخ. إنها عملية طمس هوية متقنة، تُفرغ الأرض من شواهدها، وتُفرغ الإنسان من سند ذاكرته.
أما الدور الإماراتي والسعودي في هذا الملف، فلا يمكن عزله عن البنية الأوسع للهيمنة على اليمن؛ فكما تسعى الرياض وأبوظبي للسيطرة على الموانئ والمطارات والمضائق، تسعى شبكات مرتبطة بنفوذهما للاستحواذ على كنوز التراث اليمني، في استنساخ حديث لنموذج الاستعمار الكلاسيكي الذي كان ينهب آثار المستعمرات لتملأ متاحف العواصم الإمبريالية.
والوثائق المتسربة حول تورط مسؤولين في الحكومة الموالية للتحالف، والأمراء المشتبه بتعاونهم مع شبكات التهريب، لا تترك مجالاً للشك في أن تجارة الآثار اليمنية تحولت إلى اقتصاد حرب خفي، تديره غرف مقفلة وتحميه تواطؤات سياسية.
إن ما يحدث ليس مجرد سرقة لمقتنيات أثرية، بل هو استباحة للحق السيادي لليمن في امتلاك ذاكرته، وجريمة مركبة تجمع بين النهب والتغريب والتبييض الثقافي، في مشهد يعيد إنتاج علاقات الغزو القديمة بأدوات العصر: المزاد بدل السيف، والمتحف بدل الحامية العسكرية.
وأمام هذا المشهد المأساوي، يظل سباق إنقاذ ما تبقى من آثار اليمن معركة وجودية لا تقل أهمية عن معارك استعادة الأرض والسيادة؛ فالأوطان لا تُفقد فقط باحتلال أراضيها، بل أيضاً بمصادرة شهود تاريخها، وتحويلهم إلى أرقام في كتالوغات مزادات لا تعرف شيئاً عن قداسة ما تبيعه.