“تقرير“| وثائق مسربة تكشف إمبراطورية الفساد في القطاع النفطي اليمني.. ملايين تُنفق على الرفاهية فيما تُترك البلاد تحت وطأة الانهيار..!

7٬878

أبين اليوم – تقارير 

في الوقت الذي تواصل فيه حكومة الشرعية تبرير أزمة الرواتب وتدهور الخدمات بانقطاع صادرات النفط وشح الموارد المالية، تكشف وثائق مسربة من داخل شركة النفط النمساوية OMV العاملة في اليمن جانباً صادماً من واقع إدارة القطاع النفطي، حيث تظهر سجلات مالية حجم الإنفاق الباذخ والامتيازات التي يتمتع بها بعض الموظفين، في مشهد يعكس مفارقة صارخة بين خطاب التقشف الرسمي والواقع المالي داخل المؤسسات النفطية.

وتأتي هذه التسريبات في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية هي الأسوأ في تاريخ اليمن، حيث يعاني ملايين المواطنين من الفقر وانهيار القدرة الشرائية وتعثر صرف المرتبات، بينما تستمر دوائر الإنفاق داخل القطاع النفطي في صرف مبالغ كبيرة على السفريات والإقامة الفندقية والبدلات والمزايا الشخصية.

وتكشف الوثائق عن مصروفات تخص موظف الحسابات في شركة OMV، عز الدين سلطان الحكيمي، الذي حصل، وفق المستندات، على تعويضات مالية ضخمة خلال رحلة عمل إلى العاصمة المصرية القاهرة في نوفمبر 2024، بلغت قيمتها الإجمالية 8,226.02 دولار أمريكي خلال شهر واحد فقط.

وتوزعت هذه المبالغ بين 4,380 دولاراً كبدل إقامة فندقية، و1,846.02 دولاراً كبدلات سفر يومية، إضافة إلى 2,000 دولار مخصصة للمواصلات والتنقل، وهي أرقام تثير علامات استفهام واسعة بشأن آليات اعتماد النفقات ومستوى الرقابة المالية داخل الشركة.

كما توضح وثائق أخرى أن الموظف كان يتقاضى بدلات يومية ثابتة لتغطية نفقاته الشخصية، في وقت تكشف فيه الفواتير الصادرة عن فندق إنتركونتيننتال سيتي ستارز بالقاهرة عن إقامة في أحد أفخم فنادق العاصمة المصرية، مع عمليات سداد متكررة بمبالغ كبيرة عبر بطاقات الائتمان، وصلت في بعض الإيصالات إلى 50 ألفاً و57 ألفاً و35 ألف جنيه مصري دفعة واحدة.

ولا تتوقف المصروفات عند الإقامة والسفر، إذ تبين الوثائق أن الشركة تحملت أيضاً تكاليف التأمين الدولي للسفر إلى وجهات أوروبية، بينها النمسا، إضافة إلى فواتير اتصالات وشحن خطوط هاتف ومصاريف تشغيلية شخصية متكررة، بما يعكس نمطاً واسعاً من الإنفاق على مزايا فردية.

وتشير المستندات كذلك إلى أن هذه الممارسات ليست وليدة السنوات الأخيرة، إذ تتضمن ملفات مالية تعود إلى عامي 2014 و2015 قيوداً محاسبية تخص الموظف ذاته، أظهرت صرفيات وقروضاً ومصاريف متنوعة تجاوزت 17.36 مليون ريال يمني، بما يعادل آنذاك أكثر من 80 ألف دولار أمريكي، وهو ما يثير تساؤلات حول استمرارية هذه الآليات لسنوات طويلة دون رقابة فعالة أو محاسبة.

وأثارت هذه الوثائق ردود فعل غاضبة، وسط تساؤلات عن حجم الامتيازات التي يحصل عليها كبار مسؤولي القطاع النفطي إذا كانت هذه المبالغ تصرف لموظفين إداريين، في وقت تستمر فيه الحكومة في الحديث عن عجز مالي يمنعها من الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وفي مقدمتها صرف مرتبات موظفي الدولة وتحسين الخدمات العامة.

وعليه يمكن القول:

تكشف هذه الوثائق، إذا ثبتت صحتها، عن أزمة تتجاوز مجرد الإنفاق الإداري المرتفع، لتلامس طبيعة إدارة الموارد السيادية في اليمن. فالمشكلة لا تكمن فقط في قيمة المبالغ المصروفة، بل في التناقض الصارخ بين خطاب رسمي يقوم على التقشف وغياب الموارد، وبين وجود منظومة امتيازات تسمح بإنفاق آلاف الدولارات على الإقامة الفاخرة والبدلات والسفريات.

وهذا التناقض يقوض ثقة المواطنين بالرواية الرسمية حول أسباب الأزمة الاقتصادية، ويعزز الاعتقاد بأن جانباً من الانهيار المالي يعود إلى سوء الإدارة وضعف الرقابة، وليس فقط إلى توقف صادرات النفط أو تداعيات الحرب.

كما أن امتداد هذه الصرفيات لسنوات طويلة، وفق ما تظهره السجلات، يوحي بأن الأمر لا يتعلق بحالات فردية معزولة، بل قد يعكس ثقافة مؤسسية سمحت بتراكم الامتيازات واستنزاف الموارد بعيداً عن المساءلة.

وإذا لم تُفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في هذه الوثائق، مع نشر نتائجها للرأي العام ومحاسبة أي مسؤول يثبت تورطه، فإن ملف الفساد في القطاع النفطي سيظل أحد أبرز العوامل التي تغذي فقدان الثقة بالمؤسسات، وتعمق الفجوة بين ثروات البلاد وواقع اليمنيين الذين يدفعون يومياً ثمن الانهيار الاقتصادي.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com