تركيا والكيان الصهيوني تتحركان لترميم التحالف السعودي الإماراتي.. والإصلاح يلوّح بأوراق تعز ومأرب..!

6٬004

أبين اليوم – خاص 

تكثفت خلال الأيام الأخيرة التحركات الإقليمية والدولية لإعادة ترميم العلاقة المتصدعة بين السعودية والإمارات، في وقت تتقاطع فيه الأزمة داخل المعسكر الموالي لهما في اليمن مع تصاعد الضغوط العسكرية على الرياض، وتنامي الحاجة إلى إعادة ترتيب التحالفات قبل الدخول في مرحلة جديدة من الصراع.

وتأتي هذه التحركات عقب أشهر من الخلاف السعودي الإماراتي حول إدارة الملف اليمني، وما رافقها من تراجع واضح في النفوذ الإماراتي داخل عدد من المناطق اليمنية، بالتزامن مع سعي الرياض إلى إعادة بناء اصطفاف إقليمي أكثر تماسكا في مواجهة قوات صنعاء.

وفي هذا السياق، زار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أبوظبي، الاثنين، والتقى الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، حاملاً تحيات الرئيس رجب طيب أردوغان، وبحث الجانبان العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية وسبل تعزيز التعاون والاستقرار.

وأكد فيدان لاحقاً أن الزيارة كانت مثمرة، وأن تركيا ستواصل اتصالاتها الدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية.

وتتزامن هذه الخطوة مع تحرك سعودي باتجاه أبوظبي، إذ وجّه وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان دعوة إلى نائب رئيس الإمارات منصور بن زايد لزيارة الرياض، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإصلاح العلاقات المتوترة بين البلدين.

وتأتي الدعوة في ظل حاجة الرياض إلى توسيع دائرة الدعم الإقليمي في مواجهة التصعيد القادم من اليمن، فيما لم تُحسم علناً طبيعة التعاون العسكري الذي يمكن أن ينتج عن التقارب السعودي الإماراتي.

كما جاءت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي في توقيت شديد الحساسية، حيث بحث مع محمد بن زايد العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة.

– شروط إماراتية لإعادة ترتيب المشهد اليمني:

وبحسب المصادر التي أوردت تفاصيل التحركات الجارية، فإن أبوظبي تتمسك، مقابل العودة إلى تفاهم مع الرياض، بإعادة صياغة ترتيبات السلطة والنفوذ في اليمن، وفي مقدمتها تحجيم نفوذ حزب الإصلاح وإبعاده عن مراكز القرار، وإعادة تمثيل المجلس الانتقالي الجنوبي بقوة في مجلس القيادة والحكومة، والإبقاء على طارق صالح داخل المجلس الرئاسي، إلى جانب إعادة الدور العسكري الإماراتي في عدد من المواقع اليمنية.

وتطرح هذه المطالب، إذا صحت، جوهر الخلاف السعودي الإماراتي لا بوصفه خلافاً عابراً بين حليفين، بل باعتباره صراعاً على شكل السلطة والنفوذ داخل المعسكر نفسه؛ فمن يملك القرار في عدن، ومن يسيطر على تشكيلات القوات، ومن يحدد خريطة الجنوب والساحل، كلها قضايا تتجاوز مسألة المصالحة السياسية إلى إعادة توزيع النفوذ على الأرض.

ولا تزال التفاصيل الكاملة لأي اتفاق سعودي إماراتي غير معلنة رسمياً، فيما تؤكد الوقائع المعلنة أن الرياض وأبوظبي تتحركان باتجاه خفض مستوى التوتر. كما أن استدعاء تركيا إلى مسار الاتصالات يعكس رغبة أنقرة في الحفاظ على موقعها في معادلة الخليج واليمن، خصوصاً بعد إعلان فيدان استعداد بلاده للمساعدة في تلبية احتياجات عسكرية سعودية «تقنية» ضمن اتفاق الدفاع الثلاثي مع باكستان.

– تركيا بين الشراكة الدفاعية ومأزق الحرب اليمنية:

وتبدو تركيا أمام معادلة أكثر تعقيداً مما توحي به التحركات الدبلوماسية؛ فأنقرة أعلنت بالفعل استعدادها لمساعدة السعودية عسكرياً في بعض المجالات التقنية، في إطار اتفاق الدفاع المشترك مع الرياض وإسلام آباد، بينما شدد فيدان في الوقت نفسه على ضرورة إنهاء الحرب وخفض التصعيد.

وهذا يفسر جانباً من الحراك التركي بين الرياض وأبوظبي: أنقرة لا تريد التخلي عن علاقتها المتنامية بالسعودية، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع تجاهل مصالحها الاقتصادية والسياسية مع الإمارات، ولا المخاطر التي قد تترتب على الانخراط المباشر في حرب يمنية مفتوحة.

ومن هنا يأتي تحرك فيدان في أبوظبي باعتباره جزءاً من محاولة تركية لإدارة التناقضات الإقليمية، لا مجرد وساطة ثنائية بين الرياض وأبوظبي.

فتركيا ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية مع القوتين الخليجيتين، فيما أصبحت أزمة البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من منظومة أمنية إقليمية أوسع تشمل الخليج وشرق المتوسط وحركة التجارة والطاقة.

– أوزداغ يفتح جبهة داخل تركيا:

وفي الداخل التركي، فجّر رئيس حزب النصر المعارض أوميت أوزداغ مواجهة سياسية مع وزير الخارجية هاكان فيدان بسبب موقف الحكومة من التطورات في اليمن والسعودية.

وانتقد أوزداغ ما اعتبره انخراطاً تركياً متزايداً في دعم الرياض، متسائلاً عن المصلحة التركية في التحول إلى طرف في مواجهة عسكرية بعيدة عن الحدود التركية. وذهب إلى التشكيك في جدوى أي تدخل عسكري تركي مباشر في اليمن، متسائلاً عما يمكن أن تضيفه القوات التركية في مواجهة قوات صنعاء بعد سنوات من العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.

وقال أوزداغ إن التعاون مع السعودية في مجالات السلاح والاستخبارات لا يمثل بالنسبة إليه المشكلة، لكنه تساءل عن جدوى إرسال قوات برية تركية آلاف الكيلومترات إلى اليمن، أو استخدام القوات الجوية والبحرية في مواجهة منظومة عسكرية موزعة في تضاريس جبلية معقدة.

كما هاجم أوزداغ خطاب فيدان تجاه قوات صنعاء، مستخدماً علاقة الأخيرة بالصراع مع إسرائيل محوراً لانتقاده، ومتسائلاً عما إذا كانت معادلة السياسة الخارجية التركية أصبحت تعتبر أعداء إسرائيل أعداءً لتركيا تلقائياً. وقد نشرت وسائل إعلام تركية تصريحاته بهذا المعنى خلال مؤتمر صحفي في 27 سبتمبر.

– الإصلاح يلوّح بأوراقه:

وفي الجهة الأخرى، بدا حزب الإصلاح أمام احتمال خسارة جزء إضافي من موقعه داخل المعادلة السعودية في حال صحت التسوية التي تتحدث عنها المصادر، وهو ما انعكس في مواقف غاضبة لوسائل إعلام وناشطين محسوبين عليه.

وتتركز المخاوف الإصلاحية على ثلاثة ملفات رئيسية: إقصاء الحزب من الترتيبات السياسية والعسكرية، تعزيز حضور المجلس الانتقالي في مؤسسات السلطة، وإعادة توزيع النفوذ العسكري في تعز ومأرب ومناطق أخرى.

وفي مواجهة ذلك، لوّح إعلاميون وناشطون محسوبون على الحزب بامتلاك الإصلاح أوراقاً يمكن استخدامها للضغط على الرياض، من بينها التهديد بتسليم مزيد من المناطق في تعز ومأرب لقوات صنعاء.

وتكشف هذه اللغة حجم المأزق الذي يواجهه الحزب: فالقوة التي كان يفترض أن تكون ورقة في يد التحالف تتحول، في لحظة إعادة ترتيب التحالف نفسه، إلى ورقة ضغط على صاحب القرار.

وإذا انتقلت التهديدات من مستوى الخطاب الإعلامي إلى تحركات ميدانية، فإن الخلاف السعودي الإماراتي لن يبقى محصوراً بين الرياض وأبوظبي، بل قد يعيد فتح خطوط تماس جديدة داخل اليمن نفسه.

تحليل:

المشهد برمته يبدو أقرب إلى إعادة هندسة للتحالف المناهض لصنعاء منه إلى مصالحة سعودية إماراتية تقليدية. فالرياض تحتاج إلى استعادة تماسك جبهتها الإقليمية، وأبوظبي تريد ضمان ألا تكون عودتها إلى المشهد اليمني على حساب شبكتها القديمة من النفوذ، وتركيا تحاول الإمساك بالخيطين السعودي والإماراتي في آن واحد، بينما تتحرك إسرائيل داخل البيئة الإقليمية نفسها بحثاً عن ترتيبات أمنية تخدم مصالحها.

لكن العقدة الحقيقية ليست في الرياض أو أبوظبي أو أنقرة، بل في اليمن. فكل تسوية تعيد توزيع المقاعد داخل مجلس القيادة أو الحكومة، أو تعيد القوات الإماراتية إلى مواقعها، أو تقصي الإصلاح من مناطق نفوذه، لا تغير وحدها موازين القوة التي فرضتها الحرب على الأرض.

ولهذا فإن محاولة إعادة جمع أطراف التحالف قد تنجح في ترميم صفوفه سياسياً، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح صراعاً جديداً على من يدفع ثمن هذه المصالحة من داخل المعسكر نفسه.

أما الإصلاح، فإن تلويحه بتعز ومأرب يكشف المفارقة الأشد قسوة: حين تصبح الفصائل المتحالفة مع الخارج مستعدة للتهديد بتغيير خرائط السيطرة على حساب حليفها السابق، فإن المشكلة لم تعد خلافاً بين الرياض وأبوظبي، بل تحولت إلى أزمة ثقة داخل منظومة كاملة بُنيت على المصالح المتغيرة لا على مشروع واحد.

وفي هذه اللحظة، يصبح اليمن هو ساحة تصفية الحسابات، فيما تتنافس العواصم على إعادة توزيع النفوذ قبل أن تفرض الوقائع الميدانية خريطة مختلفة تماماً.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com