“مقالات“| السلام والعدالة والحرية وإحقاق الحق في نهج الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: قراءة في الفكر الحقوقي الإنساني..!
أبين اليوم – خاص
بقلم/ فيصل الخليفي:
لم تكن فلسفة الحكم والإدارة عند الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، مجرد نظريات سياسية تُخط في بطون الكتب، أو شعارات تُرفع لاستمالة العامة، بل كانت ممارسة واقعية ومنهجاً تطبيقياً صارماً صاغ من خلاله أقدم وأعمق وثيقة للحقوق الإنسانية والعدالة المطلقة في تاريخ البشرية.
إن تفكيك هذه الرؤية العلوية يضعنا أمام عبقرية تشريعية وحقوقية سبقت المواثيق الدولية المعاصرة بقرون مديدة.
وفي طليعة هذا المنهج، يأتي مفهوم السلام عند الإمام علي، كرم الله وجهه، الذي لم يكن مجرد حالة مؤقتة من الهدنة أو غياب الحرب، بل كان أصلاً ثابتاً غايته صيانة كرامة الإنسان وتوفير الأمان النفسي والمجتمعي.
كان يؤمن بأن الجنوح نحو السلم هو القوة الحقيقية التي تحمي الأوطان وتمنح الطمأنينة، ولهذا كان يضع شروطاً صارمة لقادته تضمن كبح جماح النزعات العدوانية. فبالرغم من الحروب التي فُرضت عليه، كان يوصي جنوده وقادته دوماً قبل أي مواجهة: «لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم حتى يبدأوكم حجة أخرى لكم عليهم».
وفي عمق الحرب، أسس الإمام لقوانين إنسانية صارمة تُعد حجر الأساس لأخلاقيات القتال الحديثة المتطابقة مع اتفاقيات جنيف؛ حيث أرسى مبادئ العفو ونهى عن الانتقام قائلاً: «إذا غلفتم عليهم فلا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل».
كما شدد على حماية المدنيين وممتلكاتهم حتى في ديار الخصوم، فكان يوصي: «ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم» . وكان يقول معبراً عن حرصه على السلام وحقن دماء الأمة: «والله لأن أسالم ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله». وقد لخص موقفه هذا بعبارته الحاسمة لمالك الأشتر: «وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلَّهِ فِيهِ رِضاً، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لِبِلَادِكَ» .
ومن رحم هذا السلام العادل، تنبثق رؤيته للعدالة من مبدأ أن “العدل يضع الأمور مواضعها”، فهو ليس مجرد فضيلة أخلاقية بل هو القانون الأساسي الذي تبتني عليه سلامة المجتمعات وصلاح الرعية.
وحين سُئل: “أيهما أفضل: العدل أو الجود؟” أجاب بحكمة تُدرس في فلسفة القانون: «الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، وَالْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا؛ وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ، وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ؛ فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا».
ولهذا لم يعرف منهجه التمييز أو المحاباة، بل ألغى التمايز الطبقي وساوى في العطاء والحقوق والواجبات بين سائر البشر، باسطاً سلطة القانون على القوي والضعيف، والحاكم والمحكوم على حد سواء.
ويتكامل هذا العدل بصرامته المطلقة في إحقاق الحق واسترداد المظالم وإعطائها لأصحابها بغير هوادة؛ فعندما تولى الخلافة، وجد أن هناك قطائع وأموالاً صُرفَت لبعض المتنفذين بغير وجه حق، فأعلن صراحة ثورته التشريعية قائلاً:
«وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ, لَرَدَدْتُهُ؛ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْقُقُ».
ولعل موقفه الشهير حين ارتضى الاحتكام أمام القضاء مع مواطن مسيحي من عامة الناس حول “درع” مفقودة، يمثل الذروة الأخلاقية لتطبيقات “دولة القانون” وفصل السلطات. فلم يأخذ الدرع بالقوة وهو رئيس الدولة، بل مثُل أمام القاضي شريح، وغضب منه عندما خاطبه بكنيته تعظيماً له بينما خاطب الخصم باسمه المجرد، قائلاً: «لقد جُرت في قضائك..! ساويت بيننا في الجلوس ولم تساوِ بيننا في الخطاب».
وحين حكَم القاضي بالدرع للمسيحي لعدم وجود بينة كافية، انبهر المواطن من هذا العدل المطلق وأعلن إسلامه ورَدّ الدرع. إن هذه النزاهة تمثل مبدأ استقلالية القضاء الحقيقي، وهو ما أكده في عهده للأشتر بوجوب منح القضاة استقلالاً مالياً وسياسياً كاملاً: «وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ».
وفي محور الحرية والكرامة الإنسانية، تؤسس الرؤية العلوية لمنظومة حقوقية تعتبر الحرية حقاً تكوينياً مقدساً ولد مع الإنسان ولا يحق لأي سلطة مصادرته. وتتجلى هذه القيمة في وصيته الخالدة لابنه الإمام الحسن: «وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً».
هذه الكلمة تختزل جوهر التحرر الإنساني، ولم تقف عند حدود التنظير بل تحولت إلى سلوك سياسي منح من خلاله الإمام علي، كرم الله وجهه، المعارضة السياسية (كالخوارج) كامل حقوقها المدنية وحريتها في التعبير، واضعاً قاعدة تضمن حريتهم ما لم يمارسوا العنف: «إنّ لكم عندنا ثلاثاً: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بحرب».
إن ذروة هذا الفكر الإنساني الشامل تتلخص في عهده التاريخي لمالك الأشتر النخعي لما ولاه مصر؛ وهي الوثيقة التي حظيت باعتراف وإشادة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2002 كأقدم دستور للحكم الرشيد، والعدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد.
وفيها صاغ الإمام علي، كرم الله وجهه، القاعدة الذهبية للمواطنة والمساواة الشاملة التي تتطابق جوهرياً مع المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ… فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ» . كما رسخ في العهد ذاته مفهوم “العدالة التوزيعية” والضمان الاجتماعي للطبقات الهشة واليتامى، مؤكداً لواليه: «لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ»، إلى جانب وضعه قواعد حرية التجارة المنضبطة ومحاربة الاحتكار ومراقبة الأسواق لضمان عدم استغلال الرعية: «فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ… وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْلٍ»
إن إعادة قراءة الفكر الحقوقي للإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، اليوم تكشف لنا أن المجتمعات المعاصرة، بكل ما أوتيت من مواثيق دولية، إنما تدور في الفلك الحقوقي والتطبيقي ذاته الذي خطه بدمائه وفكره. فاستقرار الدول لا يتحقق بأدوات القمع، بل ببسط السلام وتأمين حريات الرعية، لتظل مدرسته الإنسانية منارة ملهمة تؤكد للبشرية جمعاء أن السلام المستدام لا يمكن أن ينبت إلا من رحم العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه.