“تعز“| مع انهيار جبهة التربة.. هروب جماعي لكبار القيادات والمسؤولين الموالين للسعودية.. وإخلاء معسكرات الإصلاح وقيادات الحجرية تطمئن الأهالي..!
أبين اليوم – خاص
تتسارع التطورات العسكرية في ريف تعز الجنوبي الغربي، مع انتقال الضغط الميداني إلى محيط مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين، عقب سيطرة قوات صنعاء، وفق مصادر ميدانية وإعلامية متباينة، على عدد من المرتفعات والمواقع الحاكمة، وفي مقدمتها جبل راسن ومواقع في نطاق الحجرية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لكون التربة تقع على أحد أهم محاور الربط بين تعز وعدن، فيما يفتح أي تغير في ميزان السيطرة هناك الباب أمام إعادة رسم خريطة الانتشار العسكري في جنوب غرب المحافظة.
وبحسب مصادر محلية، غادرت قيادات عسكرية ومحلية موالية للسعودية مدينة تعز باتجاه عدن، عبر خط التربة–طور الباحة، وفي مقدمتها محافظ تعز نبيل شمسان، في ظل تصاعد الضغط على محيط التربة.
وتشير تقارير ميدانية إلى تراجع وحدات من اللواء الرابع مشاة جبلي من مواقع في علقمة وشريرة ورأسن وجرداد، بالتزامن مع تقدم قوات صنعاء في تلك المناطق. كما أفادت مصادر أخرى بدفع قوات «درع الوطن» بتعزيزات إلى جبهات التربة، في محاولة لسد الفراغ الناتج عن تراجع وحدات من محور تعز ومحور طور الباحة.

وفي مؤشر أكثر دلالة على طبيعة الأزمة، انتقلت الخلافات داخل الفصائل الموالية للتحالف إلى العلن؛ إذ تبادلت قيادات محسوبة على محور تعز بقيادة خالد فاضل ومحور طور الباحة بقيادة أبوبكر الجبولي الاتهامات بشأن مسؤولية الانسحابات.

وفيما يتهم أنصار محور تعز قوات اللواء الرابع بالانسحاب من مواقع مهمة دون قتال، ينفي الجبولي ذلك ويؤكد أن المواقع التي سقطت تقع ضمن نطاق محور تعز. ويأتي هذا التراشق على خلفية صراع قديم بين الطرفين حول النفوذ والنقاط والجبايات الممتدة على الطريق الرابط بين طور الباحة وتعز.
وكانت منطقة الحجرية قد تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيداً داخل معسكر القوات الموالية للتحالف، خصوصاً بعد الصراع الذي انتهى بإقصاء اللواء 35 مدرع وتوسيع نفوذ اللواء الرابع مشاة جبلي في المنطقة.
وتظهر التطورات الحالية أن الخلافات القديمة بين مراكز القوى لم تختفِ، بل عادت إلى السطح مع أول اختبار ميداني جدي للتماسك العسكري في المنطقة. وتربط تقارير محلية بين التوتر الحالي وبين إدارة الجبهات في راسن وبني عمر وجرداد والعلقمة وشريرة والدمدم.
وفي الجهة المقابلة، حاولت شخصيات من أبناء الحجرية موجودة في صنعاء تهدئة المخاوف الشعبية، مؤكدة أن العملية، وفق روايتها، تستهدف التحشيدات والقوات العسكرية الموالية للسعودية، داعية أبناء المنطقة إلى منع تحويل مناطقهم إلى ساحة مواجهة.
وتزامنت هذه الرسائل مع حديث عن اقتراب قوات صنعاء من خطوط التربة، بما يعكس محاولة لاحتواء المخاوف المحلية المصاحبة لأي تغير عسكري في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع يشهد تغيرات ميدانية على الساحل الغربي ومحيط باب المندب، وهو ما يجعل محور التربة–طور الباحة أكثر أهمية من مجرد جبهة محلية؛ فالمحور يمثل عقدة اتصال بين تعز والجنوب، وأي تغيير في السيطرة عليه يفرض واقعاً جديداً على حركة القوات والإمدادات والتحشيدات. كما أن السيطرة على المرتفعات المطلة على التربة تمنح الطرف المسيطر أفضلية نارية وميدانية على المدينة وطرق الوصول إليها، وهو ما تركز عليه التقارير المؤيدة والمعارضة على حد سواء.
وفي المقابل، لا تزال الرواية الميدانية موضع تنازع حاد؛ فقد سبق لقائد محور طور الباحة أبوبكر الجبولي أن نفى خلال سبتمبر تحقيق قوات صنعاء أي تقدم في غرب الحجرية، واعتبر ما ينشر عن انهيار الجبهات دعاية إعلامية.
تحليل:
ما يجري في ريف تعز لا يبدو مجرد تحرك عسكري على جبهة منفصلة، بل اختبار حقيقي لبنية المعسكر المناهض لصنعاء. فحين تبدأ الوحدات بتبادل الاتهامات حول مسؤولية الانسحاب، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بعدد المواقع التي سقطت وأكثر ارتباطاً بمن يملك قرار الحرب ومن يتحمل كلفة الدفاع عنها.
والخلاف بين محوري تعز وطور الباحة يكشف أن سنوات الصراع على النفوذ والجبايات ومراكز القوة لم تنتج جبهة متماسكة، بل شبكة من التشكيلات المتنافسة التي قد تتحول عند لحظة الضغط إلى عبء على بعضها بعضاً.
والأخطر أن قيمة التربة لا تكمن في المدينة وحدها، وإنما في موقعها داخل منظومة الطرق والممرات التي تصل تعز بالجنوب. لذلك فإن انتقال الضغط إلى راسن والحجرية يضع السعودية وحلفاءها أمام معادلة أكثر تعقيداً: تعزيز الجبهة قد يحتاج إلى قوات إضافية، لكن إدخال تشكيلات جديدة إلى منطقة مثقلة أصلاً بالصراعات قد يفاقم التنافس الداخلي بدلاً من حل المشكلة. وفي المقابل، فإن أي تقدم باتجاه عقدة التربة سيمنح صنعاء ورقة ميدانية وسياسية تتجاوز حدود مديرية الشمايتين.
وهنا تتضح المفارقة: المعركة التي يفترض أن تكون مواجهة موحدة في مواجهة خصم واحد، تبدو في بعض جوانبها صراعاً داخل الصراع نفسه؛ إصلاح يتهم خصومه، ومحاور عسكرية تتبادل مسؤولية الانسحاب، وقوى سعودية تحاول سد الفراغ بتشكيلات أخرى. وإذا استمر هذا التفكك، فإن الخطر الأكبر على مواقع التحالف لن يأتي فقط من ضغط الجبهة المقابلة، بل من تآكل القدرة على إدارة الجبهة من الداخل.