“تقرير“| تقارب الضرورة لا تحالف الثقة: السعودية والإمارات واليمن في قلب إعادة تشكيل الإقليم..!

7٬995

أبين اليوم – خاص 

لا تبدو المصالحة السعودية – الإماراتية في ظاهرها سوى استعادة لقنوات التواصل بين حليفين تباعدا بفعل الحرب اليمنية، لكنها في عمقها تكشف عن إعادة هندسة بطيئة للمنظومة الخليجية تحت ضغط ثلاثة تحولات كبرى: تقدّم صنعاء على الساحل الغربي، اهتزاز أمن البحر الأحمر وباب المندب، واتساع نطاق التداخل بين الملف اليمني والمنافسة الإقليمية مع إيران.

ومع أن الخطاب الرسمي يكتفي بلغة “التعاون والتنسيق”، فإن التوقيت وحده يشي بأن ما يجري ليس مصالحة بروتوكولية، بل محاولة لإدارة فراغ أمني واستراتيجي بات يهدد السعودية والإمارات معًا، وإن كان لا يهددهما بالطريقة نفسها.

المحور الأول: لماذا الآن؟

1. لحظة الانكشاف السعودي:

السعودية لا تعود إلى اليمن من موقع القوة التي كانت تملكها قبل سنوات، بل من موقع دولة تتعرض لضغط متزايد على حدودها ومنشآتها وممراتها الحيوية، بينما تتقدم قوات صنعاء في اتجاه الساحل الغربي بما يرفع قدرتها على التأثير في باب المندب.

هذا يعني أن الرياض لم تعد تبحث فقط عن حليف، بل عن أداة ميدانية تعوّض بها العجز الذي كشفته الحرب الطويلة: غياب الحسم البري، هشاشة الحلفاء المحليين، وتآكل القدرة على ضبط الجغرافيا اليمنية المتشظية.

2. حاجة الإمارات إلى العودة من باب الضرورة:

الإمارات، من جهتها، لا تعود لأنها غيّرت قناعاتها، بل لأنها تريد استعادة موطئ قدم في معادلة تتشكل من جديد. فهي تدرك أن انسحابها أو تقليص حضورها لم يُنهِ نفوذها في اليمن، لكنه جعل هذا النفوذ أقل فاعلية وأقل قدرة على التأثير في الترتيبات المقبلة.

ولهذا فالمصالحة ليست عودة إلى “تحالف” قديم بقدر ما هي محاولة لإعادة تثبيت مكاسب لم تعد آمنة إذا تُركت خارج تفاهم سعودي–إماراتي أوسع.

المحور الثاني: ما الذي تغيّر في اليمن؟

1. اليمن لم يعد ساحة حرب فقط:

التحول الأهم هو أن اليمن خرج من كونه ملفًا داخليًا أو حتى إقليميًا محدودًا، وأصبح جزءًا من صراع أوسع على ممرات التجارة والطاقة والأمن البحري.

فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي لم يعد مجرد حدث عسكري، بل أداة ضغط استراتيجية على السعودية ومصر والولايات المتحدة، وعلى أي ترتيبات مستقبلية تتصل بحرية الملاحة في البحر الأحمر.

2. تراجع منطق “الأدوات المحلية”:

خلال السنوات الماضية، اعتمدت الرياض وأبوظبي على قوى يمنية محلية متنافسة لإدارة الحرب بالوكالة، لكن هذا النموذج انقلب على الطرفين حين بدأت هذه الأدوات تتحول إلى مصادر توتر لا إلى وسائل ضبط.
النتيجة أن المشكلة لم تعد في “من يربح على الأرض” فقط، بل في: من يملك الحق في تعريف النصر أصلًا، ومن يحدد شكل اليمن بعد الحرب، ومن يقرر ما إذا كان الجنوب سيتحول إلى كيان مستقل أو إلى منطقة نفوذ موزعة بين شركاء الخارج.

المحور الثالث: كيان الاحتلال ليس الوسيط.. لكنه ليس خارج المشهد:

1. منطق الاستفادة لا منطق الإدارة:

لا يوجد ما يثبت أن الكيان يدير المصالحة السعودية–الإماراتية مباشرة، لكن لا يمكن قراءة هذا التقارب بمعزل عن اصطفاف إقليمي أوسع تصبح فيه تل أبيب مستفيدة من أي تنسيق عربي–خليجي يحد من تمدد الحوثيين ومن أي تهديد لممرات البحر الأحمر.

فما يهم الكيان الصهيوني هنا ليس اليمن بوصفه ساحة مستقلة، بل بوصفه عقدة جغرافية قد تمنح خصومها موطئ قدم على باب المندب، وهو ما يربط أمن اليمن مباشرة بأمن خطوط الملاحة الإسرائيلية.

2. التزامن الإقليمي ليس صدفة:

تزامن زيارة نتنياهو إلى أبوظبي مع وصول منصور بن زايد إلى الرياض لا يثبت وجود ترتيب إسرائيلي مباشر، لكنه يكشف عن بيئة سياسية تتحرك فيها الأطراف الخليجية داخل هندسة أمنية أوسع من حدودها الثنائية.

في هذه البيئة تصبح المصالحة السعودية–الإماراتية جزءًا من إعادة اصطفاف إقليمي يشمل إيران، والولايات المتحدة، ومسارات التطبيع، وليس مجرد تفاهم حول اليمن وحده.

المحور الرابع: أين تكمن الخفايا؟

1. الخلاف لم يكن يومًا على الحوثيين فقط:

القطيعة الخليجية لم تنشأ فقط من الموقف من صنعاء، بل من اختلاف أعمق حول من يمتلك اليمن سياسيًا وأمنيًا بعد الحرب.
السعودية تفكر بمنطق الحدود والعمق الاستراتيجي، بينما تفكر الإمارات بمنطق الموانئ والسواحل والشبكات المحلية. وهذان المنطقان قد يلتقيان مؤقتًا ضد خطر واحد، لكنه لا يلغيان التناقض البنيوي بينهما.

2. حضرموت والمهرة والساحل الغربي هي الامتحان الحقيقي:

الاختبار الفعلي لأي تفاهم سعودي–إماراتي لن يكون في البيان المشترك، بل في توزيع النفوذ على الأرض: حضرموت، المهرة، والساحل الغربي.
فإذا بقيت هذه المناطق موضع تنازع، فإن المصالحة ستتحول إلى هدنة وظيفية مؤقتة؛ أما إذا أُعيد ترتيبها ضمن تفاهم أمني–سياسي شامل، فحينها فقط يمكن الحديث عن بداية هندسة إقليمية جديدة.

وعليه يمكن القول:

ما يحدث اليوم ليس مصالحة بين طرفين بقدر ما هو اعتراف متبادل بأن كلفة الانفراد في اليمن أصبحت أعلى من كلفة التفاهم. لكن هذا التفاهم لا يُبنى على الثقة، بل على القلق: قلق سعودي من انكشاف الحدود وتآكل الردع، وقلق إماراتي من خسارة النفوذ بعد استثماره طويلًا، وقلق إسرائيلي–أمريكي من أن يتحول البحر الأحمر إلى مساحة تهديد مفتوح.

لذلك فإن جوهر المشهد لا يكمن في صورة اللقاء، بل في السؤال الذي تؤجله الصورة: هل يجري بناء تحالف جديد لإدارة اليمن، أم مجرد وقف مؤقت للخصومة قبل أن يعود النزاع على شكل اليمن بعد الحرب؟

وعلى الأرجح، فإن الإجابة ستظهر من خلال من يملك حضرموت والساحل الغربي أكثر مما ستظهر من خلال من يجلس إلى الطاولة في الرياض.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com