“تقرير“| هل تتحول محطات الكهرباء إلى جبهة جديدة في المواجهة مع اليمن؟ بن سلمان أمام اختبار استقرار استثماراته ومشاريع رؤية 2030..!

7٬677

أبين اليوم – خاص 

لم تعد تداعيات المواجهة السعودية مع اليمن محصورة في حدود الجبهات العسكرية أو الحسابات السياسية، بل باتت تطرح أسئلة أكثر خطورة تتصل بأمن الاقتصاد السعودي ومقومات استقراره، وصولاً إلى البنية التحتية التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فالمملكة التي يسعى محمد بن سلمان إلى تقديمها بوصفها مركزاً عالمياً للاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تواجه معادلة شديدة التناقض: كيف يمكن بناء اقتصاد المستقبل بينما تستمر سياسات التصعيد في إنتاج مخاطر تهدد مقوماته الأساسية؟ وكيف يمكن إقناع رؤوس الأموال العالمية بسلامة بيئة الاستثمار، في وقت تتزايد فيه احتمالات انتقال المواجهة إلى قطاعات حيوية لا يحتمل الاقتصاد تعطّلها؟

إن أخطر ما في هذه المعادلة ليس مجرد احتمال اتساع نطاق المواجهة، بل انكشاف التناقض بين طموحات محمد بن سلمان الاقتصادية وحساباته العسكرية؛ فالمشاريع التي تُسوَّق باعتبارها عنواناً لتحول تاريخي في مستقبل المملكة تقوم في جوهرها على الاستقرار وأمن الطاقة واستمرارية الخدمات، وهي ذاتها المقومات التي تضعها الحروب الممتدة تحت ضغط متزايد.

وإذا كانت الرياض تراهن على المال والمشاريع العملاقة لصناعة صورة القوة والاستقرار، فإنها تواجه اليوم سؤالاً لا تستطيع الأبراج والاستثمارات الضخمة الإجابة عنه: ما قيمة رؤية اقتصادية بمئات المليارات إذا ظلت السياسة العسكرية تفتح أبواب المخاطر أمام البنية التي يفترض أن تحميها؟

وتواجه السعودية سيناريو بالغ الحساسية مع استمرار المواجهة العسكرية مع اليمن، يتمثل في احتمال انتقال التصعيد إلى قطاع الطاقة ومحطات توليد الكهرباء، بما قد يضع المملكة أمام تداعيات اقتصادية وخدمية واسعة، ويهدد صورة الاستقرار التي أنفق ولي العهد محمد بن سلمان مئات المليارات من الدولارات لتكريسها، باعتبارها الركيزة الأساسية لمشاريعه الاستثمارية والتنموية.

ومع استمرار المواجهة وتداعياتها المتصاعدة، يبرز تساؤل استراتيجي حول قدرة المملكة على حماية بنيتها الاقتصادية والخدمية من اتساع نطاق المخاطر العسكرية. فماذا لو امتد التصعيد اليمني إلى قطاع الكهرباء السعودي؟ وكيف ستتعامل الرياض مع تداعيات اضطراب أحد أكثر القطاعات ارتباطاً باستقرار الاقتصاد واستمرارية مؤسساته وأسواقه ومرافقه الحيوية؟

وتنبع حساسية هذا السيناريو من المكانة المركزية التي تحتلها الكهرباء في المنظومة الاقتصادية السعودية؛ فالنفط يمثل المصدر الرئيسي للإيرادات، لكن الكهرباء تشكل العمود التشغيلي لمختلف الأنشطة الصناعية والتجارية والخدمية. ومع التوسع العمراني والصناعي والرقمي، أصبحت استمرارية الإمدادات الكهربائية شرطاً أساسياً لاستقرار النشاط الاقتصادي، وأي اضطراب واسع أو ممتد في هذا القطاع قد يفتح الباب أمام أزمة تتجاوز حدود الخدمات إلى مجمل الدورة الاقتصادية.

وتبرز العاصمة الرياض في مقدمة المناطق الأكثر ارتباطاً بهذه المعادلة، باعتبارها مركز السلطة السياسية والمؤسسات المالية والشركات الكبرى ومقار المشاريع الاستراتيجية. وتعتمد المدينة على منظومة واسعة لتوليد الطاقة، تضم منشآت رئيسية، من بينها محطة التوليد التاسعة (PP9)، فيما تمثل محطة غزلان في المنطقة الشرقية أحد مكونات منظومة الإنتاج الكهربائي السعودية. وتعكس هذه المنشآت حجم الاستثمارات التي خصصتها المملكة لمواكبة الطلب المتزايد على الطاقة، بالتزامن مع التوسع السكاني والصناعي وارتفاع معدلات الاستهلاك، خصوصاً خلال فصل الصيف.

وتكشف المؤشرات الرسمية حجم الاعتماد المتزايد للاقتصاد السعودي على البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلن البنك المركزي السعودي أن المدفوعات الإلكترونية استحوذت على 85% من إجمالي عمليات الدفع للأفراد في قطاع التجزئة خلال عام 2025، بنحو 14. 6 مليار عملية. ويعكس ذلك مدى ارتباط النشاط التجاري اليومي باستمرارية منظومات الكهرباء والاتصالات والأنظمة المصرفية، بما يجعل أي اضطراب واسع في إمدادات الطاقة مصدراً محتملاً لارتباكات تتجاوز قطاع الكهرباء نفسه إلى الأسواق والتعاملات المالية والخدمات الإلكترونية.

ولا تقتصر التداعيات المحتملة على النشاط التجاري، بل تمتد إلى قطاعات النقل والاتصالات والخدمات العامة، وفي مقدمتها مترو الرياض بمساراته الستة الممتدة لمسافة 176 كيلومتراً، إلى جانب المستشفيات ومرافق المياه ومحطات الوقود والمنشآت التجارية. وتفرض هذه القطاعات متطلبات مرتفعة لاستمرارية التشغيل، فيما تعتمد قدرتها على مواجهة الطوارئ على أنظمة الطاقة الاحتياطية وخطط الاستجابة للأزمات. وبالتالي، فإن اتساع نطاق أي اضطراب كهربائي قد يفرض أعباء تشغيلية وخدمية متزايدة، ويؤثر في حركة السكان والأنشطة الاقتصادية اليومية.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع الرهانات السعودية على تحويل الرياض إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات. فقد جعل محمد بن سلمان الاستثمارات التقنية والمشاريع العملاقة عنواناً رئيسياً لرؤية 2030، مستنداً إلى استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وتسويق المملكة باعتبارها بيئة اقتصادية مستقرة وقادرة على المنافسة في القطاعات المستقبلية.

غير أن هذه المشاريع تعتمد بصورة جوهرية على إمدادات كهربائية موثوقة واستقرار تشغيلي طويل الأمد، وهو ما يجعل تصاعد المخاطر العسكرية عاملاً مؤثراً في حسابات المستثمرين، سواء من حيث تكاليف التأمين والحماية أو تقييم المخاطر أو الجدوى الاقتصادية للاستثمارات طويلة الأجل.

وهنا تتكشف المفارقة التي تواجه القيادة السعودية؛ فمحمد بن سلمان يسعى إلى تقديم المملكة باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة ووجهة عالمية للاستثمار والتكنولوجيا، بينما تفرض المواجهة العسكرية المستمرة مع اليمن تحديات أمنية واقتصادية تتعارض مع هذه الطموحات. وكلما اتسع نطاق الحرب، ازدادت الأعباء المالية والأمنية، واتسعت الفجوة بين الصورة الاستثمارية التي تحاول الرياض تسويقها وبين المخاطر التي تفرضها البيئة الإقليمية المضطربة.

ومن الناحية السياسية، يضع هذا السيناريو القيادة السعودية أمام معادلة صعبة تتعلق بقدرتها على الجمع بين استمرار التصعيد العسكري والحفاظ على الاستقرار الداخلي والاقتصادي. فالحروب الممتدة لا تستهلك الموارد العسكرية والمالية فحسب، بل تفرض أيضاً أعباء إضافية على منظومات الحماية والطوارئ، وتؤثر في حسابات المستثمرين وثقة الأسواق بقدرة الدولة على ضمان استمرارية الأعمال.

وعليه يمكن القول:

تكمن المفارقة الاستراتيجية الكبرى في أن محمد بن سلمان يريد بناء قوة اقتصادية إقليمية وعالمية، لكنه يواصل الانخراط في مواجهة عسكرية تجعل أمن هذه القوة ومقومات استمرارها عرضة للمخاطر. فالمملكة التي تنفق مئات المليارات لتسويق الرياض مركزاً عالمياً للاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا تستطيع فصل طموحاتها الاقتصادية عن تداعيات سياساتها العسكرية؛ إذ لا تُقاس قوة الاقتصاد بحجم الأبراج والمشاريع العملاقة والاستثمارات المعلنة، وإنما بقدرته على حماية بنيته التحتية وضمان استمرارية مؤسساته وخدماته في أوقات الأزمات. ومن هذه الزاوية، فإن أخطر ما تواجهه رؤية 2030 ليس تعثر مشروع بعينه أو تراجع استثمار هنا أو هناك، بل اتساع الفجوة بين اقتصاد يُراد له أن يكون واجهة للاستقرار الإقليمي، وسياسة عسكرية تُبقي أبواب التصعيد مفتوحة.

والأكثر خطورة أن الرياض قد تجد نفسها أمام تناقض صنعته حساباتها بنفسها: تريد استمرار الحرب دون أن تدفع كامل أثمانها، وتريد الحفاظ على صورة المملكة بوصفها ملاذاً آمناً للاستثمارات، بينما تضع المنطقة في دائرة مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم بكل مساراتها أو نتائجها. وإذا امتد التصعيد إلى البنية التحتية للطاقة، فإن التداعيات المحتملة لن تتوقف عند الخسائر المادية أو اضطراب الخدمات، بل قد تطال جوهر الرهان الاقتصادي السعودي وثقة المستثمرين بقدرة المملكة على حماية مستقبلهم. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من مجرد قدرة محطات الكهرباء على الصمود: هل يدرك محمد بن سلمان أن الاستقرار الذي يحاول شراءه بمئات المليارات لا يمكن أن يتعايش طويلاً مع سياسة تصعيد تهدد مقوماته؟ فالمشاريع العملاقة قد تصنع واجهة للقوة، لكنها لا تحمي أصحابها من أثمان القرارات الاستراتيجية الخاطئة، ولا تستطيع الأموال وحدها شراء الأمن الذي تبدده الحروب.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com