وسط مؤشرات على انهيار قبضة الرياض.. الانتقالي ينقلب على نفوذها ويفرض سيطرته على عدن.. وإجلاء مسؤولين من المعاشيق بالمروحيات..!
أبين اليوم – خاص
شهدت مدينة عدن، السبت، تطورات متسارعة حملت مؤشرات على تحول كبير في موازين القوى داخل العاصمة المؤقتة، بعد أن فرض المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، انتشاراً عسكرياً واسعاً في مختلف مديريات المدينة، بالتزامن مع تنفيذ السعودية عمليات إجلاء جوي لمسؤولين موالين لها من قصر المعاشيق، في مشهد يعكس تصاعد المواجهة بين الحليفين السابقين على النفوذ في جنوب اليمن.
وأظهرت صور ومقاطع مصورة تداولها ناشطون انتشاراً كثيفاً لعناصر المجلس الانتقالي في شوارع عدن، مدعومين بالأطقم العسكرية والأسلحة المتوسطة، بما في ذلك مضادات للطيران، مع تركّز واضح في عدد من المديريات، أبرزها المنصورة، حيث السجن المركزي، إضافة إلى انتشار الدوريات المسلحة في أحياء المدينة لتأمين السيطرة على المواقع الحيوية.
وجاء هذا الانتشار عقب إعلان المجلس الانتقالي حالة الاستنفار العام ودعوته جميع قواته إلى التوجه نحو عدن، بالتزامن مع تدفق آلاف المقاتلين من المحافظات الجنوبية الخاضعة لنفوذه، في خطوة مفاجئة رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي كانت تفرضها القوات السعودية داخل المدينة خلال الأشهر الماضية.
وتحولت شوارع عدن، وفق الصور المتداولة، إلى ما يشبه ثكنة عسكرية مفتوحة، وسط انتشار واسع للفصائل المسلحة التابعة للانتقالي، في حين لم تصدر أي توضيحات رسمية بشأن طبيعة التطورات، إلا أن حجم الحشد العسكري وانتشاره يوحيان بأن المجلس بات يمسك عملياً بزمام السيطرة الميدانية على المدينة.

وبرر المجلس الانتقالي تحركاته برفض ما وصفها بمحاولات سعودية لإبرام صفقة لتبادل الأسرى مع صنعاء، في حين تعد هذه أول مرة يستعرض فيها المجلس بهذا الحجم قواته داخل عدن منذ بدء التحركات السعودية مطلع العام الجاري لإعادة ترتيب المشهد العسكري وتقليص نفوذ الانتقالي.
وفي موازاة ذلك، نفذت السعودية عمليات إجلاء جوية لمسؤولين موالين لها من داخل قصر المعاشيق، حيث رصد ناشطون تحليقاً مكثفاً للمروحيات السعودية التي أقلعت من القصر إلى وجهة لم يُكشف عنها.

وأفادت مصادر حكومية بأن عمليات الإجلاء شملت عدداً من الوزراء وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، إضافة إلى الحاكم العسكري السعودي في عدن، دون الكشف عن الجهة التي نُقلوا إليها أو تفاصيل إضافية بشأن العملية.
وتزامنت عمليات الإجلاء مع اتساع انتشار قوات المجلس الانتقالي في المدينة، في خطوة تعكس حجم التدهور الذي أصاب النفوذ السعودي داخل عدن، وسط ترقب لما قد تحمله الساعات المقبلة من تطورات عسكرية وسياسية قد تعيد رسم خارطة السيطرة في جنوب اليمن.
تحليل:
ما جرى في عدن لا يبدو مجرد استعراض عسكري أو رسالة ضغط سياسية، بل يحمل سمات تحول استراتيجي يضرب مشروع السعودية في أهم معاقله جنوب اليمن.
فإقدام الانتقالي على نشر مئات المقاتلين والأسلحة الثقيلة في مدينة كانت الرياض تدير تفاصيلها الأمنية خلال الأشهر الماضية يعني أن ميزان القوة على الأرض انقلب بصورة دراماتيكية، وأن الإجراءات السعودية السابقة لتفكيك نفوذ المجلس لم تحقق أهدافها، بل انتهت إلى نتيجة معاكسة تماماً.
أما لجوء السعودية إلى إجلاء كبار مسؤوليها وحلفائها بالمروحيات من قصر المعاشيق، فهو يحمل دلالة تتجاوز الجانب الأمني؛ إذ يعكس إدراكاً بأن السيطرة الميدانية أصبحت خارج قبضتها، وأن الاحتفاظ برموز سلطتها داخل المدينة بات ينطوي على مخاطر كبيرة.
وفي العادة، لا تلجأ الجيوش إلى الإجلاء الجوي للمسؤولين إلا عندما تصبح قدرتها على تأمينهم براً شبه معدومة، وهو ما يمنح المشهد بعداً سياسياً وعسكرياً بالغ الحساسية.
وتكشف هذه التطورات أيضاً عمق الصراع السعودي–الإماراتي الذي انتقل من مرحلة التنافس غير المعلن إلى مرحلة فرض الوقائع بالقوة داخل عدن.
فالمجلس الانتقالي، الذي تعرض خلال الأشهر الماضية لحملة سعودية هدفت إلى تقليص نفوذه وإعادة تشكيل السلطة المحلية والعسكرية، اختار الرد بإعادة فرض نفسه كصاحب الكلمة العليا في العاصمة المؤقتة، موجهاً رسالة مفادها أن أي ترتيبات مستقبلية في الجنوب لا يمكن أن تتم من دون موافقته أو على حساب نفوذه.
وإذا استمر هذا المسار دون تسوية سريعة، فإن عدن مرشحة للدخول في مرحلة أكثر تعقيداً، ليس فقط باعتبارها ساحة صراع بين حلفاء الأمس، بل كنقطة اختبار حاسمة لمستقبل النفوذ السعودي والإماراتي في اليمن، حيث لم يعد السؤال من يملك النفوذ داخل المدينة، بل ما إذا كانت المواجهة المفتوحة بين الطرفين قد بدأت بالفعل، وما إذا كانت ستعيد تشكيل كامل المشهد السياسي والعسكري في الجنوب.